أثر كلام الإمام علي(عليه السلام) في معجم مقاييس اللغة

707 2017-05-01


أثر كلام الإمام علي(عليه السلام) في معجم مقاييس اللغة

 

 

الباحث: علي عباس فاضل

 

 

       الحمد لله الذي أنعم وقدّر، والصلاة والسلام على خير خلقه محمد وآله، الذين اصطفاهم وارتضاهم لدينه، فكانوا خير مصداق لخير عمل...وبعد

زخر التراث العربي بآثار هذه العترة الطاهرة، فلا تجد علما إلا ولهم السبق  فيه، والرَّشَد إليه، فهم كنوز علم الله في أرضه وسمائه، ونجد التراث اللغوي الذي قد امتلأ بكلامهم؛ لأنهم أفصح الناس لسانًا وأبلغهم قولًا، ومن هذا ما تركه أمير المؤمنين (عليه السلام) في اللغة العربية عامة و معاجمها خاصة، فهذا معجم مقاييس اللغة لابن فارس قد اتخذ بعضا من هذه الثروة اللغوية لأمير المؤمنين (عليه السلام) مادة لبيان طائفة من مفردات معجمه وشرحها وتأصيلها، ومنها:

1-   قوله في (بذر): إذ يذكر كلاما مقتطعا من خطبة له (عليه السلام) يذكر فيها آخر الزمان وهي، في قوله: (بَذَرَ) الْبَاءُ وَالذَّالُ وَالرَّاءُ أَصْلٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ نَثْرُ الشَّيْءِ وَتَفْرِيقُهُ. يُقَالُ: بَذَرْتُ الْبَذْرَ أَبْذُرُهُ بَذْرًا، وَبَذَّرْتُ الْمَالَ أُبَذِّرُهُ تَبْذِيرًا... وَالْبُذُرُ الْقَوْمُ لَا يَكْتُمُونَ حَدِيثًا وَلَا يَحْفَظُونَ أَلْسِنَتَهُمْ. قَالَ عَلِيٌّ (عَلَيْهِ السَّلَامُ): (أُولَئِكَ مَصَابِيحُ الدُّجَى، لَيْسُوا بِالْمَسَايِيحِ وَلَا الْمَذَايِيعِ الْبُذُرِ)([1]).  فَالْمَذَايِيعُ الَّذِينَ يُذِيعُونَ، وَالْبُذُرُ الَّذِينَ ذَكَرْنَاهُمْ. وَبَذَّرُ مَكَانٌ، وَلَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ مُشْتَقًّا مِنَ الْأَصْلِ الَّذِي تَقَدَّمَ([2]).

2-   وفي قوله: (بَظَرَ) الْبَاءُ وَالظَّاءُ وَالرَّاءُ أَصْلٌ وَاحِدٌ لَا يُقَاسُ عَلَيْهِ. فَالْبُظَارَةُ اللُّحْمَةُ الْمُتَدَلِّيَةُ مِنْ ضَرْعِ الشَّاةِ، وَهِيَ الْحَلَمَةُ. وَالْبُظَارَةُ هَنَةٌ نَاتِئَةٌ مِنَ الشَّفَةِ الْعُلْيَا، لَا تَكُونُ بِكُلِّ أَحَدٍ. قَالَ عَلِيٌّ (عليه السلام) لِشُرَيْحٍ فِي فُتْيَا: "مَا تَقُولُ أَنْتَ أَيُّهَا الْعَبْدُ الْأَبْظَرُ"([3]).

3-   ومنها قوله: (حَقَّ) الْحَاءُ وَالْقَافُ أَصْلٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى إِحْكَامِ الشَّيْءِ وَصِحَّتِهِ. فَالْحَقُّ نَقِيضُ الْبَاطِلِ...وَاحْتَقَّ النَّاسُ مِنَ الدَّيْنِ إِذَا ادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ الْحَقَّ. وَفِي حَدِيثِ عَلِيٍّ (عَلَيْهِ السَّلَامُ): «إِذَا بَلَغَ النِّسَاءُ نَصَّ الْحِقَاقِ فَالْعَصَبَةُ أَوْلَى»([4]) قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: يُرِيدُ الْإِدْرَاكَ وَبُلُوغَ الْعَقْلِ([5]).

4-   (ذَيَعَ) الذَّالُ وَالْيَاءُ وَالْعَيْنُ أَصْلٌ يَدُلُّ عَلَى إِظْهَارِ الشَّيْءِ وَظُهُورِهِ وَانْتِشَارِهِ. يُقَالُ ذَاعَ الْخَبَرُ وَغَيْرُهُ يَذِيعُ ذُيُوعًا. وَرَجُلٌ مِذْيَاعٌ: لَا يَكْتُمُ سِرًّا; وَالْجَمْعُ الْمَذَايِيعُ. وَفِي حَدِيثِ عَلِيٍّ (عَلَيْهِ السَّلَامُ): لَيْسُوا بِالْمَسَايِيحِ وَلَا الْمَذَايِيعِ الْبُذُرِ([6]). وَهَهُنَا كَلِمَةٌ مِنْ هَذَا فِي الْمَعْنَى مِنْ طَرِيقَةِ الِانْتِشَارِ، يَقُولُونَ: أَذَاعَ النَّاسُ مَا فِي الْحَوْضِ، إِذَا شَرِبُوهُ كُلَّهُ([7]).

5-   (سَيَحَ) السِّينُ وَالْيَاءُ وَالْحَاءُ أَصْلٌ صَحِيحٌ...وَالسَّيْحُ: الْمَاءُ الْجَارِي، وَالْمَسَايِيحُ فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ (عليه السلام) فِي قَوْلِهِ: " أُولَئِكَ مَصَابِيحُ الدُّجَى، لَيْسُوا بِالْمَذَايِيعِ وَلَا الْمَسَايِيحِ الْبُذُرِ"([8])، فَإِنَّ الْمَذَايِيعَ جَمْعُ مِذْيَاعٍ، وَهُوَ الَّذِي يُذِيعُ السِّرَّ لَا يَكْتُمُهُ. وَالْمَسَايِيحُ، هُمُ الَّذِينَ يَسِيحُونَ فِي الْأَرْضِ بِالنَّمِيمَةِ وَالشَّرِّ وَالْإِفْسَادِ بَيْنَ النَّاسِ. وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ هَذَا الْقِيَاسِ قَوْلُهُمْ سَاحَ الظِّلُّ، إِذَا فَاءَ([9]).

6-   (شَلَوَ) الشِّينُ وَاللَّامُ وَالْحَرْفُ الْمُعْتَلُّ أَصْلٌ وَاحِدٌ يَدُلُّ عَلَى عُضْوٍ مِنَ الْأَعْضَاءِ، وَقَدْ يُقَالُ الْجَسَدُ نَفْسُهُ. فَيَقُولُ أَهْلُ اللُّغَةِ: إِنَّ الشِّلْوَ الْعُضْوُ. وَفِي الْحَدِيثِ عَنْ عَلِيٍّ (عَلَيْهِ السَّلَامُ): ايتِنِي بِشِلْوِهَا الْأَيْمَنِ. وَيُقَالُ إِنَّ بَنِي فُلَانٍ أَشْلَاءٌ فِي بَنِي فُلَانٍ، أَيْ بَقَايَا فِيهِمْ. وَكَانَ ابْنُ دُرَيْدٍ يَقُولُ: "الشِّلْوُ شِلْوُ الْإِنْسَانِ، وَهُوَ جَسَدُهُ بَعْدَ بِلَاهُ". وَالَّذِي ذَكَرْنَاهُ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ (عليه السلام) ايتِنِي بِشِلْوِهَا الْأَيْمَنِ يَدُلُّ عَلَى خِلَافِ هَذَا الْقَوْلِ([10]).

7-   (شَذَرَ) الشِّينُ وَالذَّالُ وَالرَّاءُ أَصْلَانِ: أَحَدُهُمَا يَدُلُّ عَلَى تَفَرُّقِ شَيْءٍ وَتَمَيُّزِهِ. وَالْآخَرُ عَلَى الْوَعِيدِ وَالتَّسَرُّعِ. مِنْ ذَلِكَ قَوْلُ الْعَرَبِ: تَفَرَّقَ الْقَوْمُ شَذَرَ مَذَرَ، إِذَا تَبَدَّدُوا فِي الْبِلَادِ... وَالتَّشَذُّرُ: الْوَعِيدُ ; وَمِنْهُ حَدِيثُ سُلَيْمَانَ بْنِ صُرَدٍ، أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنْ عَلِيٍّ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) قَوْلُ " تَشَذَّرَ فِيهِ"([11]).

8-   الْعَبَدَةُ، وَهِيَ الْقُوَّةُ وَالصَّلَابَةُ; يُقَالُ هَذَا ثَوْبٌ لَهُ عَبْدَةٌ، إِذَا كَانَ صَفِيقًا قَوِيًّا. وَمِنْهُ عَلْقَمَةُ بْنُ عَبْدَةَ، بِفَتْحِ الْبَاءِ. مِثْلُ الْأَنَفِ وَالْحَمِيَّةِ. يُقَالُ: هُوَ يَعْبَدُ لِهَذَا الْأَمْرِ. وَفُسِّرَ قَوْلُهُ تَعَالَى -: {قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ} [الزخرف: 81] ، أَيْ أَوَّلُ مَنْ غَضِبَ عَنْ هَذَا وَأَنِفَ مِنْ قَوْلِهِ. وَذُكِرَ عَنْ عَلِيٍّ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) أَنَّهُ قَالَ: «عَبِدْتُ فَصَمَتُّ»، أَيْ أَنِفْتُ فَسَكَتُّ([12]).

9-   الْغَارُ: الْجَيْشُ الْعَظِيمُ. وَمِنْ ذَلِكَ حَدِيثُ عَلِيٍّ(عَلَيْهِ السَّلَامُ): "مَا ظَنُّكَ بِامْرِئٍ جَمَعَ بَيْنَ هَذَيْنِ الْغَارَيْنِ". وَالْغَارُ: غَارُ الْفَمِ. وَالْغَارُ: أَصْلُ الرَّجُلِ وَقَبِيلَتُهُ. وَالْغَارُ: الْكَهْفُ وَقَدْ مَضَى قِيَاسُ ذَلِكَ كُلِّهِ ([13]).

10-                      (نَصَّ) النُّونُ وَالصَّادُ أَصْلٌ صَحِيحٌ يَدُلُّ عَلَى رَفْعٍ وَارْتِفَاعٍ وَانْتِهَاءٍ فِي الشَّيْءِ. مِنْهُ قَوْلُهُمْ نَصَّ الْحَدِيثَ إِلَى فُلَانٍ: رَفَعَهُ إِلَيْهِ...وَنَصُّ كُلِّ شَيْءٍ: مُنْتَهَاهُ. وَفِي حَدِيثِ عَلِيٍّ (عَلَيْهِ السَّلَامُ): «إِذَا بَلَغَ النِّسَاءُ نَصَّ الْحِقَاقِ»([14])، أَيْ إِذَا بَلَغْنَ غَايَةَ الصِّغَرِ وَصِرْنَ فِي حَدِّ الْبُلُوغِ([15]).

11-                      (نَغِرَ) النُّونُ وَالْغَيْنُ وَالرَّاءُ أَصْلٌ يَدُلُّ عَلَى غَلَيَانٍ وَاغْتِيَاظٍ. وَنَغِرَتِ الْقِدْرُ: غَلَتْ. وَنَغِرَ الرَّجُلُ: اغْتَاظَ. وَمِنْهُ قَوْلُ الْمَرْأَةِ فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ (عَلَيْهِ السَّلَامُ): «رُدُّونِي إِلَى أَهْلِي غَيْرَ نَغِرَةٍ». وَنَغَرَتِ النَّاقَةُ: ضَمَّتْ مُؤَخَّرَهَا وَمَضَتْ، كَأَنَّهَا اغْتَاظَتْ مِنْ شَيْءٍ فَمَضَتْ لِوَجْهِهَا. وَهُوَ يَتَنَغَّرُ عَلَيْنَا، أَيْ يَتَنَكَّرُ([16]).

هذا بعض ما تمثّل به ابن فارس في كتابه هذا وهي جزء قليل مما قاله أمير المؤمنين (عليه السلام)، ونرى في هذه الشواهد أنَّ ابن فارس قد تمثَّل بقول واحد بأكثر من موضع، وبالرغم من تنوع هذه الاستشهادات بالنصوص المباركة في موارد متعددة من معجمه إلا أنه لم يتخذه مصدرا أساسيا يستقي منه مواد معجمه واكتفى بذكر بعضا منها.

الهوامش:

[1])) نهج البلاغة، تحقيق: قيس بهجت العطار: 244- 245

[2])) ينظر: مقاييس اللغة: 1/ 216.

[3])) مقاييس اللغة: 1/ 262.

[4])) نهج البلاغة: 760.

[5])) مقاييس اللغة: 2/ 15- 16.

[6])) نهج البلاغة: 244- 245

[7])) مقاييس اللغة: 2/ 365.

[8])) نهج البلاغة: 244- 245

[9])) مقاييس اللغة: 3/ 120.

[10])) مقاييس اللغة: 3/ 209.

[11])) مقاييس اللغة: 3/ 257.

[12])) مقاييس اللغة: 4/ 207.

[13])) مقاييس اللغة: 4/ 408.

[14])) نهج البلاغة: 760.

[15])) مقاييس اللغة: 5/ 356.

 

[16])) مقاييس اللغة: 5/ 452- 453.

 
التعليقات
تغيير الرمز
تعليقات فيسبوك