يوم الغدير إتمام النعمة

188 2017-09-02


يوم الغدير إتمام النعمة

الباحث: محمد حمزة الخفاجي

إن من أعظم نعم الله على الخلق هي بعثة الرسل اليهم، حيث بهم بين الله حلاله وحرامه، ووضح لهم المنهاج الصحيح، ورسم لهم الطريق بشكل واضح، ثم أكمل عليهم هذه النعمة بخاتم الرسل (صلوات الله وسلامه عليه) حيث كانت شريعته خاتمة الشرائع فحلال محمد حلال الى يوم القيامة وحرام محمد حرام الى يوم القيامة.

إن الله سبحانه لا يترك الأرض بلا حجة فالأنبياء (عليهم السلام) هم حجج الله على خلقه فكلما مضى نبي الى جوار ربه خلف بعده نبي كي لا تبقى الناس في ضلال حتى جاء رسولنا الأكرم (صلى الله عليه وآله) فبين لهم جميع الأحكام والفرائض فكانت أخر الفرائض هي الولاية فقد أتم الله بها جميع النعم، قال تعالى: { الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا }[1].

وهذا ما أكده أمير المؤمنين (عليه السلام) في خطبة له قال فيها: (إِلَى أَنْ بَعَثَ اللَّه سُبْحَانَه مُحَمَّداً، رَسُولَ اللَّه (صلى الله عليه وآله) لإِنْجَازِ عِدَتِه وإِتْمَامِ نُبُوَّتِه، مَأْخُوذاً عَلَى النَّبِيِّينَ مِيثَاقُه، مَشْهُورَةً سِمَاتُه كَرِيماً مِيلَادُه، وأَهْلُ الأَرْضِ يَوْمَئِذٍ مِلَلٌ مُتَفَرِّقَةٌ، وأَهْوَاءٌ مُنْتَشِرَةٌ وطَرَائِقُ مُتَشَتِّتَةٌ، بَيْنَ مُشَبِّه لِلَّه بِخَلْقِه أَوْ مُلْحِدٍ فِي اسْمِه، أَوْ مُشِيرٍ إِلَى غَيْرِه، فَهَدَاهُمْ بِه مِنَ الضَّلَالَةِ وأَنْقَذَهُمْ بِمَكَانِه مِنَ الْجَهَالَةِ، ثُمَّ اخْتَارَ سُبْحَانَه لِمُحَمَّدٍ (صلى الله عليه وآله) لِقَاءَه، ورَضِيَ لَه مَا عِنْدَه وأَكْرَمَه عَنْ دَارِ الدُّنْيَا، ورَغِبَ بِه عَنْ مَقَامِ الْبَلْوَى، فَقَبَضَه إِلَيْه كَرِيماً، (صلى الله عليه وآله) وخَلَّفَ فِيكُمْ مَا خَلَّفَتِ الأَنْبِيَاءُ فِي أُمَمِهَا، إِذْ لَمْ يَتْرُكُوهُمْ هَمَلًا بِغَيْرِ طَرِيقٍ وَاضِحٍ ولَا عَلَمٍ قَائِمٍ)[2].

 وفي هذا النص يبين لما أمير المؤمنين (عليه السلام) أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) لم يترك شيء الا ووضحه للناس حتى أكمل دينهم ثم أتم الله على الخلق نعمه بوصيه حيث جعله حجة من بعده كي لا تخلوا الأرض من حجة.

وروي في الإحتجاج أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حج من المدينة وقد بلغ جميع الشرايع قومه غير الحج والولاية فأتاه جبرئيل (عليه السلام) فقال له " يا محمد إن الله عز وجل يقرؤك السلام ويقول لك إني لم أقبض نبيا من أنبيائي ولا رسولا من رسلي إلا بعد إكمال ديني وتأكيد حجتي وقد بقى عليك من ذلك فريضتان مما يحتاج أن تبلغهما قومك فريضة الحج، وفريضة الولاية والخلافة من بعدك، فإني لم أخل أرضي من حجة ولن أخليها أبدا فإن الله يأمرك أن تبلغ قومك الحج تحج ويحج معك كل من استطاع إليه سبيلا ... وقدم وصيتك واعمد إلى ما عندك من العلم وميراث علوم الأنبياء من قبلك والسلاح والتابوت وجميع ما عندك من آيات الأنبياء فسلمها إلى وصيك وخليفتك من بعدك حجتي البالغة على خلقي علي بن أبي طالب (عليه السلام) فأقمه للناس علما وجدد عهده وميثاقه وبيعته وذكرهم ما أخذت عليهم من بيعتي وميثاقي الذي واثقتهم به وعهدي الذي عهدت إليهم من ولاية ولي ومولاهم ومولى كل مؤمن ومؤمنة علي بن أبي طالب (عليه السلام) فإني لم أقبض نبيا من الأنبياء إلا من بعد إكمال ديني واتمام نعمتي بولاية أوليائي ومعاداة أعدائي... (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي) بولاية ولي ومولى كل مؤمن ومؤمنة علي عبدي ووصي نبي والخليفة من بعده وحجتي البالغة على خلقي[3].

فكانت أخر فريضة أنزلها الله هي ولاية أمير المؤمنين (عليه السلام) لذا هي تمام النعم كي لا تبقى العباد في حيرة بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فبوجود علي (عليه السلام) يبقى الإسلام عامرا كذلك بأبنائه المعصومين (عليهم السلام) فهم ورثة علمه ومستودع سره بهم حفظ الله شريعة المصطفى (صلى الله عليه وآله) وبهم ساد العدل وظهر الحق لذا كانت ولايته تمام النعم.

 وجاءعن جعفر بن محمد الخزاعي عن أبيه قال: (سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول : لما نزل رسول الله صلى الله عليه وآله عرفات يوم الجمعة أتاه جبرئيل عليه السلام فقال له: يا محمد ان الله يقرؤك السلام ويقول لك: قل لامتك " اليوم أكملت لكم دينكم بولاية علي بن أبي طالب وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام دينا " ولست انزل عليكم بعد هذا، قد أنزلت عليكم الصلاة والزكاة والصوم والحج وهي الخامسة ولست أقبل هذه الأربعة الا بها)[4].

فبعلي (عليه السلام) تمام النعم وبه تقبل هذه الفرائض والا لحُرِّف الدين من قبل أهل البدع كما حرف اليهود التوراة والانجيل وسائر الكتب السماوية لكن الله شاء ان يحفظ كتابة بعلي والمعصومين من ذريته.

وختاماً تبين أن تمام النعم هي ولاية أمير المؤمنين (عليه السلام)، ثم ابنائه المعصومين الذين نص عليهم النبي (صلى الله عليه وآله)، وسميت بتمام النعم كون ولايتهم أخر فريضة فرضها الله على العباد ولولاها لما قبل الله الفرائض الأخرى، والدليل أن الإنسان لو صلى وعبد الدهر ولم يوالي علي وأبنائه لم يتقبل الله منه ذلك العمل، ولهذا كان الأمر من الله سبحانه إلى نبيه بهذه الصيغة: قال تعالى: { يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ }[5]. لما لهذا الحدث من الأهمية الكبرى في حياة هذا الدين والأمة السلامية، وعليه (إن تركت تبليغ ما أنزل اليك في ولاية علي [عليه السلام] وكتمته، كنت كأنك لم تبلغ شيئا من رسالات ربك. (والله يعصمك من الناس): يمنعك من أن ينالوك بسوء (ان الله لا يهدى القوم الكافرين))[6].

فرسول الله (صلى الله عليه وآله) وما قام به من مجهود كل ذلك سوف يذهب سدىً إذا لم ينصب علي (عليه السلام) أميراً على الناس، وهذا الأمر يوضح مكانته (عليه السلام) عند الله كذلك يوضح مدى حرصه وحفظه للدين ومدى ثقة الله بهذا الانسان الطاهر.

فنسأل الله ان يجعلنا مع نبيه ووليه (صلوات الله عليهم) في الدنيا الآخرة إنه سميع الدعاء.

الهوامش:

[1] - المائدة: 3.

[2]- نهج البلاغة: 1/ 44.

[3] - ينظر: الاحتجاج، الشيخ الطبرسي: 1/ 68 – 69.

[4] - تفسير العياشي، محمد بن مسعود (العياشي): 1/ 293.

[5] - المائدة: 67.

 

[6] - التفسير الآصفي، الفيض الكاشاني: 1/ 285.

 
التعليقات
تغيير الرمز
تعليقات فيسبوك