الدنيا في كتاب له (عليه السلام) إلى عبد الله بن العباس رحمه الله تعالى، وكان عبد الله يقول: ما انتفعت بكلام بعد كلام رسول الله كانتفاعي بهذا الكلام

سلسلة قصار الحكم

الدنيا في كتاب له (عليه السلام) إلى عبد الله بن العباس رحمه الله تعالى، وكان عبد الله يقول: ما انتفعت بكلام بعد كلام رسول الله كانتفاعي بهذا الكلام

43 مشاهدة | تم اضافته بتاريخ 22-03-2026

بقلم السيد عبد الحسين الغريفي المشهدي

الحمد لله رب العالمين، ثم الصلاة والسلام على سيّد الخلق أجمعين سيدنا ونبيّنا أبي القاسم المصطفى وعلى آله الطيبين الطاهرين، واللعن الدائم على اعدائهم أجمعين من الآن إلى قيام يوم الدين.

وبعد:
أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ الْمَرْءَ قَدْ يَسُرُّهُ دَرَكُ مَا لَمْ يَكُنْ لِيَفُوتَهُ وَيَسُوءُهُ فَوْتُ مَا لَمْ يَكُنْ لِيُدْرِكَهُ، فَلْيَكُنْ سُرُورُكَ بِمَا نِلْتَ مِنْ آخِرَتِكَ، وَلْيَكُنْ أَسَفُكَ عَلَى مَا فَاتَكَ مِنْهَا، وَمَا نِلْتَ مِنْ دُنْيَاكَ فَلَا تُكْثِرْ فِيهِ فَرَحاً، وَمَا فَاتَكَ مِنْهَا فَلَا تَأْسَ عَلَيْهِ جَزَعاً، وَلْيَكُنْ هَمُّكَ فِيمَا بَعْدَ الْمَوْتِ، وَالسَّلَامُ.

شرح الألفاظ الغريبة:
يفوته الشيء: يذهب عنه إلى غير رجعة؛ يدركه: يناله ويصيبه؛ ولا تأس: ولا تحزن([1]).

الشرح:
حاصل الفصل النهي عن شدة الفرح بما يحصل من المطالب الدنيوية وشدة الأسف على ما يفوت منها، وبيان ما ينبغي للإنسان أن يستر بحصوله ويأسف لفقده مما لا ينبغي له، فأشار إلى الأول بقوله: «فإنّ المرء..» إلى قوله: «ليدركه»: وهو خبر في معنى النهي، ولفظ «ما» في الموضعين مهمل يراد به المطالب الدنيوية، ونبه بقوله: «ما لم يكن ليفوته»: على أن ما يحصل من مطالب الدنيا أمر واجب في القضاء الإلهي وصوله إلى من يحصل له فهو كالحاصل فلا ينبغي أن يشتد فرحه عند حصوله، وبقوله: «ما لم يكن ليدركه»: على أن ما يفوت منها فهو أمر واجب فوته فالأسف عليه مما لا يجدي نفعاً بل هو ضرر عاجل.
ثم خصصه بالخطاب على سبيل الوصية والموعظة وفصل له ما ينبغي أن يستر ويأسف عليه مما لا ينبغي له.
فأما ما ينبغي أن يستر به فهو ما ناله من آخرته وما ينبغي أن يأسف عليه فهو ما فاته منها.
وأما ما ينبغي أن لا يفرح به مما ناله من دنياه لما عرفت من وجوب فنائها وكون القرب منها مستلزماً للبعد عن الآخرة وما ينبغي أن لا يأسف عليه مما لم ينله منها لكون البعد عنها مستلزماً للقرب من الآخرة.
فإن قلت: كيف؟ قال: ما نلت من آخرتك، ومعلوم أنه لا ينال شيء من الآخرة إلا بعد الموت.

قلت: يحتمل وجهين:
أحدهما: لا تسلّم أن من مطالب الآخرة لا يحصل إلا بعد الموت فإن الكمالات النفسانية من العلوم والأخلاق الفاضلة والفرح بها من الكمالات الأخروية وإن كان الإنسان في الدنيا.

الثاني: يحتمل أن يريد فليكن سرورك بما نلت من أسباب آخرتك. فحذف

المضاف وأقام المضاف إليه مقامه. وكذلك بين له ما ينبغي أن يكون همه متوجهاً نحوه وقصده متعلقاً به وهو ما بعد الموت من أحوال الآخرة من سعادة دائمة سعى في تحصيلها أو شقاوة لازمة يعمل للخلاص منها ، وبالله التوفيق([2]))([3]).

الهوامش:
([1]) شرح الألفاظ الغريبة لصبحي صالح: ٦٧٨، وشرح الألفاظ لابن ميثم ٢٠٤:٤.
([2]) شرح نهج البلاغة لابن ميثم ٤٠٢:٤ - ٤٠٣ في شرح كتاب له رقم ٢٢.
([3]) لمزيد من الاطلاع ينظر: الدنيا في نهج الإمام علي عليه السلام: السيد عبد الحسين الغريفي، ط: مؤسسة علوم نهج البلاغة في العتبة الحسينية المقدسة: ص 365-367.

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.0971 Seconds