الدنيا في كتاب له (عليه السلام) إلى قُثَمَ بن العباس، وهو عامله على مكّة

سلسلة قصار الحكم

الدنيا في كتاب له (عليه السلام) إلى قُثَمَ بن العباس، وهو عامله على مكّة

25 مشاهدة | تم اضافته بتاريخ 19-04-2026

بقلم السيد عبد الحسين الغريفي المشهدي

الحمد لله رب العالمين، ثم الصلاة والسلام على سيّد الخلق أجمعين سيدنا ونبيّنا أبي القاسم المصطفى وعلى آله الطيبين الطاهرين، واللعن الدائم على اعدائهم أجمعين من الآن إلى قيام يوم الدين.

وبعد:
أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ عَيْنِي – بِالْمَغْرِبِ- كَتَبَ إِلَيَّ يُعْلِمُنِي أَنَّهُ وُجْهَ إِلَى الْمَوْسِمِ أُنَاسٌ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ الْعُمْيِ الْقُلُوبِ، الصُّمَّ الْأَسْمَاعِ. الْكُمْهِ الْأَبْصَارِ ، الَّذِينَ يَلْتَمِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ، وَيُطِيعُونَ الْمَخْلُوقَ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ ، وَيَحْتَلِبُونَ الدُّنْيَا دَرَّهَا بِالدِّينِ، وَ يَشْتَرُونَ عَاجِلَهَا بِآجِلِ الْأَبْرَارِ الْمُتَّقِينَ، وَلَنْ يَفُوزَ بِالْخَيْرِ إِلَّا عَامِلُهُ ، وَلَا يُجْزَى جَزَاءَ الشَّرِّ إِلَّا فَاعِلُهُ، فَأَقِمْ عَلَىٰ مَا فِي يَدَيْكَ قِيَامَ الْحَازِمِ الصَّلِيبِ، وَالنَّاصِحِ اللَّبِيبِ التَّابِعِ لِسُلْطَانِهِ ، الْمُطِيعِ لِإِمَامِهِ، وَإِيَّاكَ وَمَا يُعْتَذَرُ مِنْهُ، وَلَا تَكُنْ عِنْدَ النَّعْمَاءِ بَطِراً، وَلَا عِنْدَ الْبَأْسَاءِ فَشِلاً، وَالسَّلَامُ([1]).

شرح الألفاظ الغريبة:
عيني: أي رقيبي الذي يأتيني بالأخبار: بالمغرب: بالأقاليم الغربية؛ بالموسم: بالحج: الكمه: - جمع أكمه - وهو من ولد أعمى؛ يلبسون: يخلطون؛ يلتمسون: يطمسون؛ يحتلبون الدنيا: يستخلصون خيرها؛ الدَّر: - بالفتح - اللبن؛ الصليب: الشديد؛ النعماء: الرضاء والسعة: البطر: الشديد الفرح مع ثقة بدوام النعمة؛ البأساء: الشدة: فشلاً: جباناً ضعيفاً([2]) .

الشرح:
يقول ابن ميثم: هو قثم بن العباس بن عبد المطلب، ولم يزل والياً لعلي عليه السلام على مكة حتى قتل عليه السلام واستشهد بسمرقند في زمن معاوية، وسبب هذا الكتاب أن معاوية كان قد بعث إلى مكة في موسم الحج واجتماع العرب بها دعاة يدعون إلى طاعته ويثبطون العرب من نصرة علي عليه السلام، ويلقون في أنفسهم أنه إما قاتل عثمان أو خاذل له، وعلى التقديرين فلا يصلح للإمامة، وينشرون محاسن معاوية - بزعمهم. وأخلاقه وسيرته في العطاء. فكتب عليه السلام هذا الكتاب إلى عامله بمكة ينبهه على ذلك ليعتمد عليه فيما يقتضيه السياسة، وقيل: إن الذين بعثهم بعض السرايا التي كان يبعثها ليغير على أعمال علي عليه السلام.
حاصل الكتاب إعلامه أولاً بما كتب إليه عينه بالمغرب، وأراد الشام لأنها من البلاد المغربية، وقد كان له عليه السلام في البلاد جواسيس يخبرونه بما يتجدد من الأمور عند معاوية، ولمعاوية عنده كذلك كما جرت عادة الملوك بمثله، ثم وصف أهل الشام بأوصاف يستلزم البعد عن الله لغرض التنفير عنهم:

أحدها: شمول الغفلة بهم من كل وجه عما خلقوا لأجله، واستعار لقلوبهم لفظ العمى باعتبار عدم عقليتهم للحق وإدراكهم لما ينبغي من طريق الآخرة كما لا يدرك الأعمى قصده، ولفظ الصم لأسماعهم والكمه لأبصارهم باعتبار عدم انتفاعهم من جهة الأسماع بالمواعظ والتذاكير، ومن جهة الأبصار بتحصيل العبرة بها من آثار الله سبحانه كما لا ينتفع بذلك فاقد هاتين الآلتين.

الثاني: كونهم يلبسون الحق بالباطل: أي يخلطونه ويعمونه فيه، والمراد أنهم يعلمون أنه على الحق وأن معاوية على الباطل ثم يكتمون ذلك ويغطونه بشبهة قتل عثمان والطلب بدمه إلى غير ذلك من أباطيلهم، وروي: يلتمسون الحق بالباطل إذ كانوا يطلبون حقاً بحركاتهم الباطلة.

الثالث: كونهم يطيعون المخلوق: أي معاوية في معصية خالقهم.

الرابع: كونهم يحتلبون الدنيا درها بالدين واستعار لفظ الدر المتاع الدنيا وطيباتها، ولفظ الاحتلاب لاستخراج متاعها بوجوه الطلب من مظانه ملاحظاً لشبهها بالناقة. ودرها منصوب بدلاً من الدنيا، وإنما كان ذلك بالدين لأن إظهارهم لشعاره وتمسكهم بظواهره لغرض تحصيل الدنيا وأخذهم ما لا يستحقونه منها فإنّ محاربتهم له عليه السلام إنما كانت كما زعموا للأخذ بثار عثمان وإنكار المنكر على قاتليه وخاذليه، ولذلك تمكنوا من تألف قلوب العرب وأكثر جهال المسلمين على حربه عليه السلام، وأخذ البلاد.

الخامس: شراؤهم عاجل الدنيا بأجل الأبرار، وهو ثواب الآخرة، ولفظ الشراء مستعار لاستعاضتهم ذلك العاجل من ذلك الآجل، ولما كان ذلك في شعار الإسلام هو الخسران المبين ذكره في معرض ذمهم.

ثم ذكر في مقام الوعد والوعيد لهم انحصار الفوز بالخير ممن عمل الخير ترغيباً فيه والمجازاة بالشر في فاعله تنفيراً عنه.
ثم ختم بأمره وتحذيره، أما أمره فبأن يقيم على ما في يديه من العمل مقام من هو أهل ذلك وهو الحازم المتثبت في آرائه، الصليب في طاعة الله، الناصح اللبيب له ولأوليائه، التابع لسلطانه، المطيع لإمامه، وأما تحذيره فما يعتذر منه وهو كل أمر عد في الشرع معصية وتقصيراً عن أداء حقه، ويروى الكلمات مرفوعة.

ثم من البطر في النعمة والفشل والضعف عند البأساء والشدة لكون ذلك معداً لزوال النعمة وحلول النقمة والبطر رذيلة تستلزم رذيلتي الكبر والعجب وتقابل فضيلة التواضع ؛ والفشل رذيلة التفريط من فضيلة الشجاعة، وبالله التوفيق)([3]).

الهوامش:
([1]) نهج البلاغة لصبحي صالح: ٤٠٦ - ٤٠٧ / من كتاب له عليه السلام رقم ٣٣، ونهج الشيخ العطار: ٥٤٠-٥٤١ / من كتاب له عليه السلام رقم ٣٣، وشرح نهج البلاغة لابن ميثم ٥: ٧١ - ٧٢ من كتاب له عليه السلام رقم ٣٣، ونهج الشيخ محمد عبده ٢: ٦٠ - ٦١ من كتاب له عليه السلام إلى قتم بن العباس عامله على مكة.
([2]) شرح الألفاظ الغريبة: 688.
([3]) لمزيد من الاطلاع ينظر: الدنيا في نهج الإمام علي عليه السلام: السيد عبد الحسين الغريفي، ط: مؤسسة علوم نهج البلاغة في العتبة الحسينية المقدسة: ص 372-375.

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.1957 Seconds