من كلام الإمام علي (عليه السلام) في كتب غريب الحديث/ الحقول الدالّة على الحيوان ومتعلقاته: 1- البكار

مقالات وبحوث

من كلام الإمام علي (عليه السلام) في كتب غريب الحديث/ الحقول الدالّة على الحيوان ومتعلقاته: 1- البكار

29 مشاهدة | تم اضافته بتاريخ 29-04-2026

بقلم: د. زهراء حسين جعفر

الحمدُ لله الذي جعل الحمد مفتاحاً لذكره، وسببا للمزيد من فضله، ودليلا على آلائه وعظمته، وأشهد أنّ محمدًا عبده ورسوله، أرسله بالضياء، وقدمه في الاصطفاء، وجعله خاتم الأنبياء صلى الله عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين.

أما بعد:
قال الإمام (عليه السلام) في توبيخ بعض أصحابه: ((كَمْ أُدَارِيكُمْ كَمَا تُدَارَى البِكَارُ الْعَمِدَةُ))([1]). المفردة الغريبة التي تلفت انظارنا في كلام الإمام (البكار) والبكار في اللغة: البِكْرُ من الإبل مالم يُبْزِلْ([2])، فإذا بُزِلَ فهو جمل، أو ناقة، والبكر من الإبل هي التي ولدت بطنا واحداً يسمى بكرا([3])، و((البكر الفَتيّ من الإِبل، والأنثى بِكْرَةٌ، والجمع بكار مثل فرخ وفراخ، وبكارة أيضا مثل فحل وفحالة....))([4]).

جاءت لفظة (البكار) بالجمع على زنة (فِعَال) مرة واحدة في كلام الإمام (عليه السلام) للدلالة على البكر من الإبل، وذلك في توبيخ بعض أصحابه بقوله (عليه السلام): (كَمْ أُدَارِيكُمْ كَمَا تُدَارَى البِكَارُ الْعَمِدَةُ). وهذا خطاب لأصحابه الذين تقاعسوا عن النهوض لحرب أهل الشام وقد استهل الإمام توبيخه لهم بذكر تفضله عليهم؛ لأنّهم في نظره (كالبكار العمدة)، والعَمِدَةُ مِنَ العَمَدِ: وَقِيلَ: العَمِدَةُ الَّتِي كَسَرَهَا ثِقَلُ حَمْلِهَا. والعِمْدَةُ: والعَمِدَة ـ بفتح فكسرـ: التي انفضح داخل سنامها من الركوب([5])، والبكار العمدة: التي انشدخ باطن أسنمتها لثقل الحمل([6]).

لقد وظف الإمام (عليه السلام) هذه المفردات (البكار، والعمدة) في سياق المقام الذي يتحدث فيه، فقد شبههم الإمام (عليه السلام) بادئ ذي بدء بالنوق الفتية التي أُعِدَّتْ حديثاً للركوب وقد يجرح أحياناً سنامها وذلك أنّ القوم الذين يخاطبهم الإمام من الفتوة، ويفترض أن تكون فيهم المنعة والقوة وحصانة الرأي فضلاً عن شدة التحمل([7])، ولكن ما إنْ وُصِفَتْ هذه البكار بلفظ (العمدة) حتى تحولت الدلالة الى الضعف والهزال وعدم التحمل. وهو ما وطأ له الإمام (عليه السلام) بالاستفهام الاستنكاري بقوله: (كم أداريكم....)؛لأن الذي يُدارى ليس إلا الضعيف المنهك الذي لا فائدة ترجى منه، فلا يكون له طاقة أو صبر على تحمل الصعاب، فقد شبه مداراتهم بمداراتها قوة المداراة وكثرتها، وخص البكار جمع بكرة لأنها أشد تضجرا بالحمل عند ذلك الداء([8]).
وبهذا تتحول مفردة (البكار) الموصوفة بـ(العمدة) في الحقل الدلالي الخاص بكلام الإمام (عليه السلام) الى دلالة (الضعف الذي يطرأ على الفتى) وبهذا يكون على العكس من المألوف بأن القوة تظهر بالفتيان([9]).

الهوامش:
([1]) النهاية في غريب الحديث والأثر: 3/297،غريب الحديث في بحار الأنوار: 3/92.
([2]) قال الخليل: (ناقة بازل، وبعير بازل (الذّكّر والأنثى فيه) سواء، لأنّ هذا شيء ليس لها فيه فعل إنما هو بَزَل نابُه يَبْزُل بُزولا، أي: فَطَر وانشقّ، والجميع: بُزُلٌ). العين: (بزل)7/370.
([3]) ينظر: مقاييس اللغة: (بكر)1/288، وتهذيب اللغة: (بكر)10/127.
([4]) الصحاح: (بكر)2/595، وينظر: تاج العروس: (بكر)10/237، والقاموس المحيط: (بكر)1/353.
([5]) ينظر: النهاية في غريب الحديث والأثر: 3/297، ولسان العرب: (عمد)3/305، وغريب الحديث في بحار الأنوار: 3/92.
([6]) ينظر: مجمع البحرين: 1/ 232.
([7]) ينظر: نفحات الولاية: 3/80.
([8]) ينظر: نهج البلاغة: 6/102، وبحار الأنوار: 24/79.
 ([9]) لمزيد من الاطلاع ينظر: كلام الإمام علي عليه السلام في كتب غريب الحديث/دراسة في ضوء نظرية الحقول الدلالية، تأليف زهراء حسين جعفر، ط1، مؤسسة علوم نهج البلاغة في العتبة الحسينية المقدسة، ص242-244.

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.3285 Seconds