الدنيا في كتاب لأمير المؤمنين (عليه السلام) إلى معاوية:

سلسلة قصار الحكم

الدنيا في كتاب لأمير المؤمنين (عليه السلام) إلى معاوية:

48 مشاهدة | تم اضافته بتاريخ 26-07-2026

بقلم السيد عبد الحسين الغريفي المشهدي

الحمد لله رب العالمين، ثم الصلاة والسلام على سيّد الخلق أجمعين سيدنا ونبيّنا أبي القاسم المصطفى وعلى آله الطيبين الطاهرين، واللعن الدائم على اعدائهم أجمعين من الآن إلى قيام يوم الدين.

وبعد:
وَإِنَّ البَغْيَ وَالزُّورَ (يُوتِغَانِ الْمَرْءَ) فِي دِينِهِ وَدُنْيَاهُ، وَيُبْدِيَانِ خَلَلَهُ عِنْدَ مَنْ يَعِيبُهُ، وَقَدْ عَلِمْتُ أَنَّكَ غَيْرُ مُدْرِكٍ مَا قُضِيَ فَوَاتُهُ، وَقَدْ رَامَ أَقْوَامٌ أَمْراً بِغَيْرِ الْحَقِّ، فَتَأَوَّلُوا عَلَى اللَّهِ فَأَكْذَبَهُمْ، فَاحْذَرْ يَوْماً يَغْتَبِطُ فِيهِ مَنْ أَحْمَدَ عَاقِبَةَ عَمَلِهِ، وَيَنْدَمُ مَنْ أَمْكَنَ الشَّيْطَانَ مِنْ قِيَادِهِ فَلَمْ يُجَاذِبْهُ.
وَقَدْ دَعَوْتَنَا إِلَى حُكْمِ الْقُرْآنِ وَلَسْتَ مِنْ أَهْلِهِ، وَلَسْنَا إِيَّاكَ أَجَبْنَا، وَلَكِنَّا أَجَبْنَا الْقُرْآنَ فِي حُكْمِهِ، وَالسَّلَامُ)([1]).

شرح الألفاظ الغريبة:
يُوتِعَان المرءَ: يهلكانه؛ ما قضي فواته: أي ما فات منه لا يدرك، والمراد دم عثمان والانتصار له، فمعاوية يعلم أنه لا يدركه، لانقضاء الأمر بموت عثمان؛ فتألّوْا على الله: حلفوا، من الألية وهي اليمين؛ أكذبهم: حكم بكذبهم؛ يغتبط: يفرح ويستر؛ أحمد عاقبة عمله: وجدها حميدة؛ أمكن الشيطان من قياده: أي مكنه من زمامه ولم ينازعه([2]).

الشرح:
هذا الفصل من كتاب له إليه التحكيم وتمسّك معاوية بما حكم به الحكمان، ويحتمل أن يكون عند إجابته إلى التحكيم.
صدر الفصل بذكر الظلم والكذب والتنفير عنهما بما يلزمهما من هلاك دين المرء ودنياه، ويبديان خلله وعيبه لمن يعيبه، أمّا في دينه فلكونهما رذيلتين مضادتين للعدل والعفة ومجانبتين للإيمان والدين، وأما في دنياه فلأن أعظم مطالب الدنيا للعقلاء الذكر الجميل وإنما يحصل بظهور مكارم الأخلاق دون رذائلها، وأراد بما قضى فواته ما جعله معاوية شبهة له في محاربته وهو الطلب بدم عثمان وهو في قوة صغرى ضمير احتجّ به على وجوب ترك المشاقّة، وتقدير كبراه: وكلّ من كان كذلك تعيّن أن يترك ذلك الطلب.
ثمّ أعلمه بحال من طلب أمراً باطلاً وتأوّل على الله في ذلك، والإشارة إلى أصحاب الجمل حيث كانوا طالبين للأمر والملك فتأوّلوا على الله: أي على سلطان الله وهي الخلافة الحقة فجعلوا لخروجهم وبغيهم عليها تأويلاً وهو الطلب بدم عثمان، ونحوه من الشبه الباطلة. فأكذبهم الله بنصره عليهم ورد مقتضى شبههم وإلّا كذاب كما يكون بالقول كذلك يكون بالفعل. وقال القطب الراونديّ رحمه الله: معناه وقد طلب قوم أمر هذه الأمة فتأولوا القرآن كقوله تعالى: {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ}([3]) فسمّوا من نصبوه من الأمراء أولي الأمر متحكّمين على الله فأكذبهم الله بكونهم ظالمين بغاة، ولا يكون الوالي من قبل الله كذلك.
ثم حذره يوم القيامة منبهاً له على ما فيه من سرور الذين حملوا عاقبة أعمالهم بما حصلوا عليه من السعادة الباقية واغتباط غيرهم لهم وتمنى مثل مراتبهم، وندم من أمكن الشيطان من قياده فصرفه كيف شاء ولم يجاذبه، واستعار لفظ التمكين من القياد لمطاوعة النفس الأمارة، وغرض التحذير أن لا يكون كمن سبق من طالبي هذا الأمر بالتأويل على الله.
وقوله: «وقد دعوتنا..» إلى آخره صورة سؤاله والجواب عنه، وكونه ليس من أهله. إذ لم يكن صالحاً للإمامة كما سبق بيانه مراراً، وحيث لم يكن أهلاً لأن يجاب إلى الرضى بالتحكيم أعلمه بذلك وأنه إنما أجاب القرآن إلى حكمه، وذلك في قوله تعالى في حق الزوجين: {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِهَا}([4]) الآية، فجعل عليه السلام هذا أصلاً وقاس عليه بالطريق الأولى حال الأمة عند وقوع الشقاق بينهم.
وبعين ذلك احتج ابن عباس رضى الله عنه على الخوارج حيث أنكروا التحكيم فقالوا: كيف يجوز لعلي أن يحكم في دين الله الرجال؟ فقال لهم: إنّ ذلك ليس بأمر علي عليه السلام وإنما هو بأمر من الله تعالى في كتابه إذ يقول في حق الزوجين {وَإِنْ خِفْتُمْ} الآية أفترون أنّه أمر تعالى بذلك في حقّ الرجل وامرأته مراعاة لمصلحتهما ولا يأمر بذلك في حقّ الأُمّة رعياً لمصلحتهم؟ فرجع كثير منهم إلى قوله، وبالله التوفيق)([5]).

الهوامش:
([1]) نهج البلاغة لصبحي صالح: ٤٢٣ من كتاب له عليه السلام إلى معاوية رقم ٤٨، ونهج الشيخ العطار: ٥٦٢ من كتاب له عليه السلام إلى معاوية رقم ٤٨، وشرح نهج البلاغة لابن ميثم ٥: ١٢٤ من كتاب له عليه السلام إلى معاوية رقم ٤٧، ونهج محمد عبده ۲ ۸۰ من كتاب له عليه السلام إلى معاوية.
([2]) شرح الألفاظ الغريبة: ٦٩٥.
([3]) النساء: ٥٩.
([4]) النساء: ٣٥.
([5]) لمزيد من الاطلاع ينظر: الدنيا في نهج الإمام علي عليه السلام: السيد عبد الحسين الغريفي، ط: مؤسسة علوم نهج البلاغة في العتبة الحسينية المقدسة: ص 390-393.

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.1306 Seconds