من دلالة الأفعال في الخطبة المونقة للإمام علي عليه السلام دلالة الفعل ((تُضْنِيْهِ)) في قوله: «فَكَمْ مِنْ زَفْرَةٍ تُضْنِيْهِ»

أثر نهج البلاغة في اللغة والادب

من دلالة الأفعال في الخطبة المونقة للإمام علي عليه السلام دلالة الفعل ((تُضْنِيْهِ)) في قوله: «فَكَمْ مِنْ زَفْرَةٍ تُضْنِيْهِ»

56 مشاهدة | تم اضافته بتاريخ 28-07-2026

بقلم: الدكتور مصطفى كاظم شغيدل

الحمد لله الذي صدقنا وعده هي مقالة المتقين، وصلى الله على خير خلقه أجمعين محمد وآله الطيبين الطاهرين.

وبعد:
امتازت الخطبة المونقة لأمير المؤمنين عليه السلام والتي تسمى أيضا بـ(الخطبة الخالية من الألف) بكثرة الأفعال فيها، إذ وصلت إلى (170) فعل، فضلاً عما جاء مكرراً وبصيغة مختلفة؛ وهذه الخطبة مع أنها قيلت في موضع التندر لخلوها من الألف، غير أنها لم تكن خالية من الفكر بمختلف أبعاده، وهو على النحو الآتي:

تدلُّ مادَّة (تضنيه) في اللُّغة على مرض شديد ملازم. جاء في (العين): «ضَنِيَ الرَّجلُ ضَنىً شديداً إذا كان به مَرَضٌ مخامر، كُلَّما ظنَّ أَنــَّه بَرَأَ نُكِسَ.. وقد أَضناه المرض إضناءً» ([1]).
ويُقال: ضَنِيَ بالكسر يَضْنَى ضنىً شديداً، وأَضناه المرض، أَيْ: أَدنفه، وأَثقلَهُ، والمضاناة: المعاناة([2]). ونقول: هو بين سفرٍ ينضيه ومرض يضنيه([3]) وضَنِيَ ضَنىً من باب تعب مرض مرضاَ ملازماً حتَّى أَشرف على الموت([4]).
وبهذا المعنى أَورد أَمير المؤمنين (عليه السلام) هذا الفعل (تضنيه) مرَّةً واحدة في الخطبة؛ إذ قال (عليه السلام) في بيان ما يحصل لذلك الإنسان، الَّذي انصرف لفصلٍ عند رب قدير، بعبده خبير بصير: «فَكَمْ مِنْ زَفْرَةٍ تُضْنِيْهِ».

ولبيان معنى (زفرة) الَّتي جاء بها أَمير المؤمنين (عليه السلام) مع الفعل (تضنيه) في الخطبة أَقول: جاء في (جمهرة اللُّغة): «والزَّفْرُ مصدر زَفَر يَزْفِرُ زَفْراً وزَفيراً، إذا ردَّد النفس في جوفه حتَّى تنتفخ ضلوعه» ([5]).

وقال الأَزهريّ: «الزَّفير من شديد الأَنين وقبيحه» ([6]).
وجاء في (معجم مقاييس اللُّغة): «الزَّاء والفاء والرَّاء أَصلان: أَحدهما يدلُّ على حِمْل، والآخر على صوت من الأَصوات» ([7]).
وقال ابن سيده: «... يُقال: مَرَّ بكارةٍ فازدفرها، أَيْ: احتملها، قال الفارسيُّ: اشتقَّ من الزِّفْر وهو الحِمْل زَفَرَهُ يَزْفِرُهُ زَفْراً وازدفره، ابن السِّكِّيت، إنــَّه لَمعتلٌّ بحمله، أَيْ: مضطلع بحمله» ([8]).
وقال الزَّمخشريّ: «رأَيته يزفر زفرة الثــَّكلى، وله زفير، وعلى ظهره زفر من الأَزفار: حمل ثقيل يزفر منه، وقد زفره يزفره، حَمَلَهُ»([9]).
ومهما يكن من أَمر، فإنَّ معنى (زفرة) في قول أَمير المؤمنين (عليه السلام): «فكم من زفرة تضنيه» يحتمل أَمرين:

أَحدهما: أَنــَّه من الزَّفرة، ترديد النَّفس في الجوف حتَّى تنتفخ الضُّلوع؛ فيسبِّب له هذا الأَمر مرضاً شديداً ملازماً له.

والآخر: أَنــَّه من الزَّفْر، أَيْ: الحِمْل، فهو معتلٌّ بحمله، أَيْ: مضطلع به، فهذا الحمل المضطلع به يُسبِّب له مرضاً شديداً ملازماً له ــ أَيضاً ــ.

ومن هذا يتبيَّن لنا دقَّة أَمير المؤمنين (عليه السلام) ولطافته في استعمال اللَّفظة مع اللَّفظة، فضلاً عن الأَلفاظ بمجموعها، فقال (عليه السلام): «زفرة تضنيه».

و(فكم) الفاء حرف عطف، و(كم) الخبريَّة، وتفيد التَّكثير، لها الصَّدارة في الكلام، وما بعدها يكون تمييزاً مجروراً، واختُلِف في جرِّه، هل هو بالإضافة، أَو بحرف الجرِّ (مِنْ)([10])، وهو ــ هنا ــ مجرور بـ(مِنْ) الظَّاهرة، و(زفرة) اسم مجرور، وعلامة جرِّه الكسرة الظَّاهرة على آخره (تمييز كم الخبريَّة) و(تضنيه) فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه الضَّمَّة المقدَّرة على الياء؛ منع من ظهورها الثــِّقل، والفاعل ضمير مستتر تقديره (هي)، عائدة إلى (زفرة) والهاء: ضمير متَّصل مبنيٌّ على الكسر في محلِّ نصب مفعول به، عائد إلى (مَن جذبت نفسه)، وجملة (تضنيه) صفة لـ(زفرة)، وجملة (فكم من زفرة تضنيه) معطوفة على جملة (وتولَّى لفصلٍ عند رب قدير، بعبده خبير بصير). وتقدَّم أَنَّ العطف بالفاء يفيد التَّرتيب باتِّصال، وهو المعبَّر عنه بالتَّعقيب، وكثيراً ما تقتضي السَّبب إنْ كان المعطوف جملة([11])، وكذا هي الحال في قول أَمير المؤمنين (عليه السلام): «فكم من زفرة تضنيه)؛ فهذه الزَّفرات الَّتي تضني ذلك العبد ناشئة من انصرافه لفصلٍ عند ربٍّ قدير، وبعبده خبير بصير)(([12])).

الهوامش:
([1]). العين: 2/36. وينظر: تهذيب اللغة: 4/167، ومعجم مقاييس اللغة: 2/292، والمحيط في اللغة: 2/203، ولسان العرب: 14/486، وتاج العروس: 1/8475 و8476.
([2]). ينظر: الصحاح في اللغة: 1/414، والمخصص: 1/417، والقاموس المحيط: 3/444.
([3]). ينظر: أساس البلاغة: 1/279.
([4]). ينظر: المصباح المنير: 5/360.
([5]). جمهرة اللغة: 1/383.
([6]). تهذيب اللغة: 4/358 و359. وينظر: الصحاح في اللغة: 1/288، ومفردات ألفاظ القرآن: 380، ولسان العرب: 4/324، وتاج العروس: 1/2891.
([7]). معجم مقاييس اللغة: 3/10.
([8]). المخصص: 1/155.
([9]). أساس البلاغة: 1/198.
([10]). ينظر: المساعد على تسهيل الفوائد وتكميل المقاصد: 2/110، وشرح ابن عقيل: 2/421، و422.
([11]). ينظر: الفعل (عدل) من الكتاب.
(([12]))لمزيد من الاطلاع ينظر: الأفعال في الخطبة المونقة للإمام علي عليه السلام بين الدلالة المعجمية والاستعمال الوظيفي: للدكتور مصطفى كاظم شغيدل، ط1، مؤسسة علوم نهج البلاغة في العتبة الحسينية المقدسة، ص271-273.

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.1323 Seconds