من ألفاظ الحياة الاجتماعية في نهج البلاغة لقاح الإبل ونتاجها 4- العِشَار

أثر نهج البلاغة في اللغة والادب

من ألفاظ الحياة الاجتماعية في نهج البلاغة لقاح الإبل ونتاجها 4- العِشَار

35 مشاهدة | تم اضافته بتاريخ 02-08-2026

بقلم: د. حسام عدنان الياسري.

الحمد لله الذي علا بحوله، ودنا بطوله، مانع كل غنيمة وفضل، وكاشف عظيمة وأزل، والصلاة والسلام على خير خلقه محمد وآله الاطهار.

وبعد:
العِشَارُ جمع (عَشْرَاء)، وهي الناقة التي أَقْربَت؛ لتمامها عشرة أشهر من حملها([1]). وسميت بذلك؛ لأنها حديثة عهدٍ بالتَّعْشير، وهو حمل الولد في البَطْنِ([2]). وقيل: بل العِشَارُ اسم للنوق التي قد نَتَج بعضها، وبعضها قد قَرُب ويُنتَظَر نتاجها ([3]). وقيل: العِشار هي النوق الحديثة عَهد بالنتاج، وقد وضعت أولادها([4]). والعُشَراء من الإبل كالنّفساءِ من النساء([5]).

ولفظة (العِشَار) من ألفاظ نهج البلاغة. إذ استعملها الإمام (عليه السلام) مرة واحدة([6])، للدلالة على النوق العِشَار التي أتى على حملها عشرة أشهرٍ. وذلك في سياق كلام أمير المؤمنين عن التقوى، وأثرها في النجاة من النار يوم القيامة. ((أوصِيكُمْ عِبَادَ اللهِ، بِتَقْوَى اللهِ، فَإِنَّهَا الزِّمَامُ وَالْقِوَامُ، فَتَمَسَّكُوا بِوَثَائِقِهَا، وَاعْتَصِمُوا بِحَقَائِقِهَا، تَؤُلْ بِكُمْ إِلَى أَكْنَانِ الدَعَةِ... في (يَوْم تَشْخَصُ فِيهِ الاْبْصَارُ)([7])... وَتُعَطَّلُ فِيهِ صُرُومُ الْعِشَارِ...))([8]) والإمام يريد بقوله ((تُعَطّل فيه صُرُوم العشَار)) ما يحصل يوم القيامة عندما يُنْفَخ في الصّور، وتذهل كل مرضعة عما أرضعت. وأراد بـ (صُرُوم العِشَار) القَطْعة من الإبل التي تبلغ نحواً من الثلاثين([9])، أو هي من العشرة إلى الأربعين([10]). فكأنها بلغت النصاب لتكون قطيعاً مستقلاً يقطعه صاحبه عن بقية إبله. والاضطراب في العدد لا يلغي صَرْمها وقطعها عن بقية النّوق، فأنها في كل ذلك مستقلة عن أخواتها، وأمّا لفظة (العِشَار) فهي جمعٌ (عُشَراء) كـ (نُفَسَاء)([11])، وهي النوق التي مضى على حملها عشرة أَشهرٍ، فإذا وضعت لتمامها فهي عُشَراء([12]). وإنما قيل للواحدة منها (عُشَراء)؛ لأنها حديثة العهد بالتعشير، وهو حمل الولد في بطنها.  وأكثر ما يطلق هذا الوصف عند اللغويين على الإبل والخيل([13]) ويبدو الأثر القرآني واضحاً في تعبير الإمام علي في قوله الذي ضمن فيه مفردة (عِشار)، ومن قبلها لفظة (عُطِّلَتْ). فإنه (عليه السلام) أخذه من القرآن الكريم الذي يقول في مقام الحديث عن يوم القيامة: {وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ}([14]) وسياق الآية سياق حديث عن القيامة وما يجري قبلها وبعدها من أحداث سماوية.

وقد نظم الإمام (عليه السلام) ما يقرب من هذا السياق في قوله السالف الذكر. أما الآية المباركة، فقد تكلم أصحاب (معاني القرآن) و (المفسرون) عن مفردة (العِشَارُ)، وكيفية (تَعِطْيلها) في القرآن الكريم، فذهب الفرّاء (ت 208 هـ) إلى أنها لقح الإبل ([15]).وقريب من ذلك ما ذهب الشيخ الطوسي (ت 460 هـ) الذي ذكر أن (العِشار)، هي النوق التي في بطونها أولادها، إذا أتت عليها عشرة أشهر([16]) وأما تعطيل (العِشَار) الذي ذكره القرآن الكريم، ونسج عليه الإمام كلامه فهو في اللغة الخلو والفراغ ([17])، ومنه قولهم دار معطلة، إذا كانت فارغة. وبئر معطلة، إذا لم يورد منها ولم يستق ([18]). ومنه أيضاً تعطيل الإبل، وهو تركها خالية بلا راعٍ([19]). وأما (تَعْطِيل العِشَار)، فهو بحسب الدلالة اللغوية للمفردة، يعني تركها وإهمالها، لانشغال الناس يومئذ بأنفسهم. ولا يكون ذلك إلاّ في يوم عظيم، كيوم القيامة([20]).

أقول: ولهول يوم القيامة وشدته، ضرب الله تعالى (تَعْطِيل العِشَار) مثلاً في إظهار ذهول الناس عن هذه الإبل. وتركها سائبة مهملة لا راعي لها يرعاها في أيامها هذه مع كونها على وشك أن تضع أحمالها، فهي أشد ما تكون حاجة إلى من يعينها في ذلك. وهذا الأمر هام عند البدوي؛ لأن أنفس ما يملكه هو هذه النوق، ومما يزيد من نفاستها، هو كونها عشاراً قد بلغت ساعة وضعها([21]). وذلك بسبب من أهمية ذلك اليوم الذي يمرون به، الذي ينشغل فيه الناس بأنفسهم، ففيه {وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ}([22]). لعظم ذلك اليوم. ومن خلال هذهِ الرؤية القرآنية، يمكن أن نفهم دلالات التعبير في قول الإمام (عليه السلام) ((عُطِّلَتْ صُرُوم العِشَار))، فالتعطيل - هنا - هو نفسه الذي بينه المفسرون في النص القرآني المبارك؛ (وعُطِّلتْ صُرًوم العشار) هو إهمالها وتركها دون رعاية، لا حافظ عليها يحفظها ويقوم بأمرها. ويمكن أن تتوسع في دلالات هذه المفردات؛ لاظهار معان يمكن أن تدخل تحت هذه الدلالات: فـ(العِشار) وإن كانت لفظة مخصوصة أصلاً بالنوق التي بلغت عشرة أشهر من حملها، لكن ذلك لا يمنع التوسع في دلالتها، فتصبح دالة على كل حامل، أو مُرضْعٍ من النساء أو الحيوان. قد اتسع هذا اللفظ، حتى قيل لكل حامل عشراء([23]). وهذا الاتساع يمنحنا مرونة في أن تكون المفردة دالة على المرأة (النُّفَساء) التي جاوزت مرحلة الحمل، فصارت مرضعاً في شهرها العاشر، وهو الشهر الذي يلي اخر شهور الحمل عند الناس. ويمكن أن يكون ذلك على سبيل تشبه بحمل النساء ونفاسها. أما فارق المدة الزمنية بين أشهر الحمل في الإبل وأشهره في النساء، فقد جوز اللغويون أن تكون مفردة (عشار) دالة على النوق التي أتى عليها عشرة أشهر حتى تضع، فما زال ذلك أسمها حتى إن وضعت ما في بطونها؛ لأن الاسم المتقدم يلزمها بعد الوضع([24]). ولهذا جوزوا أن تكون المفردة المتقدمة دالة على النوق التي معها أولادها([25]). وهذا الأمر لازم في النساء أيضاً كما في النوق وغيرها من الدواب، وذلك لكي يتحقق معنى (التَّعْطِيل) الذي ذكره القرآن الكريم، فضلاً عن معنى (الذّهول) وحقيقته الذي أشار إليه القرآن الكريم في قوله تعالى: {يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا...} ([26])وليس من الهين على الأُم أن تذهل عن رضاع ولدها لولا أن هذا اليوم الذي يمر بها، هو من أعظم الايام وأكثرها هولاً كما أنه ليس من السهل على الناس أن يعطَّلوا النساء الحوامل اللواتي بلغن أيام وضعهن، وهن بحاجة إلى رعاية وعناية، فإنه أَنفس ما تكون المرأة أكرامة على أهلها هي أيام حملها وإرضاعها. فلا يمكن عند ذاك ترك هذهِ العشار من النساء في تلك الأيام. ويمكن أن تتسع مفردة (العِشَار) لتحتمل دلالات أخرى أكثر مما اقتصر عليه شراح نهج البلاغة من كونها الناقة التي بلغت عشرة أشهر([27]). فيمكن أن يشمل ذلك عشر القلوب وهو كسرها وصدعها، فيكون ذلك مناسباً لتعطيلها وتركها تنصدع من هول القيامة، والخشية من عقاب الله تبارك وتعالى. وبهذه المرونة في انفتاح دلالة اللفظة في النص يمكن - أيضاً - حمل مفردة (تَعْطيِل) على إيقاف كل شعور للإنسان تجاه كل ما كان يحرص عليه من نفائس، وأموال وغيرها مما تنافس فيه الناس في الحياة الدنيا؛ لانشغالهم بأنفسهم، واهمالهم لكل شؤون الدنيا([28]))([29]).

الهوامش:
([1]) ينظر: العين (عشر): 1/247.
([2]) نفسه.
([3]) ينظر: العين (عشر): 1/247، والمحكم (عشر): 1/359.
([4]) ينظر: المحكم (عشر): 1/359.
([5]) نفسه.
([6]) ينظر: المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة: 303.
([7]) إبراهيم /42.
([8]) نهج البلاغة:خ/195: 389، 390.
([9]) ينظر: العين (حرم): 12/131.
([10]) ينظر: تاج العروس (حرم): ج13/51.
([11]) ينظر: لسان العرب (عشر): 4/572.
([12]) ينظر: العين (عشر): 1/247.
([13]) ينظر: النهاية في غريب الحديث: 3/572.
([14]) التكوير / 4.
([15]) ينظر: معاني القرآن (الفراء): 5/187، وتهذيب اللغة (عشر): 1/261، والتبيان في تفسير القرآن (الطوسي): 10/279، ومجمع البيان: 10/276.
([16]) (8) ينظر: التبيان في تفسير القرآن (الطوسي): 10/ 279.
([17]) ينظر: مقاييس اللغة (عطل): 4/351.
([18]) نفسه.
([19]) ينظر: معاني القرآن (الفرّاء): 5/ 187.
([20]) نفسه.
([21]) ينظر: تهذيب اللغة (عشر): 1/261.
([22]) التكوير / 4.
([23]) ينظر: النهاية في غريب الحديث: 3/240، ولسان العرب (عشر): 4/572.
([24]) ينظر: تهذيب اللغة (عشر): 1/262، ولسان العرب (عشر): 4/572.
([25]) ينظر: غريب القرآن (السجستاني): 1/347، والتبيان في غريب القرآن (شهاب الدين المصري): 1/451.
([26]) الحج / 2.
([27]) ينظر: معارج نهج البلاغة: 2/628، 629، والديباج الوضي: 4/1617.
([28]) ينظر: الميزان في تفسير القرآن،  للعلامة الطباطبائي: 20/213، ومع نهج البلاغة: 233.
([29])) لمزيد من الاطلاع ينظر: ألفاظ الحياة الاجتماعية في نهج البلاغة: للدكتور حسام عدنان رحيم الياسري، ط: العتبة الحسينية المقدسة، مؤسسة علوم نهج البلاغة: ص 194-199.

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.1681 Seconds