مِنَ الآيات المتعلقة بالإمام علي (عليه السلام) الحلقة (31): الدلالة القرآنية للفظة (الذكر) وما تعلق بها

مقالات وبحوث

مِنَ الآيات المتعلقة بالإمام علي (عليه السلام) الحلقة (31): الدلالة القرآنية للفظة (الذكر) وما تعلق بها

51 مشاهدة | تم اضافته بتاريخ 15-10-2026

بقلم: رضي فاهم عيدان

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله كما هو أهله وكما يستحقه حمدًا كثيرًا وأعوذ به من شر نفسي إنّ النفس لأمارةٌ بالسوء إلاّ ما رحم ربي، والصلاة والسلام على أشرف الخلق محمّدٍ الأمين وأهل بيته الطيبين الطاهرين.

إما بعد:
وردت لفظة (أهل الذكر) في موردٍ آخر وذلك في قوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} [الأنبياء:7] ويكاد السياق الذي وردت فيه هذه اللفظة يكون واحدًا في الآيتين، إلا أن تكرارها بهذا المقدار لا يكشف عن سماتها، وهو أمرٌ يوجه البحث لتحديد لفظة (الذكر) المقترنة بالألف واللام على وجه التحديد، وقد وردت هذه اللفظة في أكثر من عشرين موردًا ([1])بحسب ما توصل إليه الباحث والوقوف عليها أفرز بعض السمات هي:

 أولاً: إن (الذكر) أسبق وجودًا من الكتب السماوية:
  قال تعالى: {وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ} [الأنبياء :105].
 وأصل لفظة (الزبور) تدلُّ على الكتابة؛ جاء في المحيط في اللغة: ((الزَبُوْرُ: الكِتَابُ، وهو فَعُوْلٌ بمعنى مَفْعُوْلٍ. وكُلُّ كِتابٍ زَبُوْرٌ. وزَبَرَ الكِتَابَ زَبْراً وزِبَارَةً: وهو إتْقَانُه، وقيل: قِرَاءَتُه )) ([2])، فمن المحتمل أن يكون اسم جنس لما أُنزل على الأنبياء من الكتب ([3]) ولا يُراد به ( زبور داود ) على وجه التحديد، ومما يُرجِّح هذا المعنى أن التعبير عن (زبور داود ) جاء نكرةً فقط في موردين من القرآن الكريم  ولم يرد معرفًا بالألف واللام، يُزاد على هذا أنه لا اختصاص لزبور داود (عيه السلام) بهذه السِنّة الإلهية وهي أن تكون الأرض إرثاً للمؤمنين فيه من دون الكتب السماوية الأخرى، وبحسب هذه الرؤية يمكن القول أن (الذكر) هو المرحلة السابقة لإنزال الكتب السماوية وهو ما يتعلق بالعلم الإلهي المكنون ((والمعنى : ولقد كتبنا في الكتُبِ من بَعْدِ ذِكْرِنَا في السماء  {أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ}))([4]) ويقرب من هذا المعنى ما ذكره الآلوسي (ت1270هـ) من أن (الذكر) هو اللوح المحفوظ ([5]) .

ثانيًا : إن (الذكر) نزل على النبي محمد صلى الله عليه وآله ومحفوظ من التحريف:
قال تعالى: {وَقَالُواْ يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ } [الحجر :6 ] قال تعالى : {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر:9]، وأيضاً قال : { بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُون} [النحل:44]، والفائدة المتعلقة بإنزال (الذكر) هي التبيين وسيأتي الكلام فيه، وقد أنكر الكافرون اختصاصَ الأنبياء بهذا الإنزال من دونهم، قال تعالى :  {أءُنزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِن بَيْنِنَا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِّن ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ}[ ص:8 ] ، وإنكارهم له  يكشف عن عظمته وأن من يقترن به يكون عظيمًا وشريفًا في قومه، وهو أمرٌ حملهم على حسد الرسول، قال تعالى : {وَإِن يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ } [القلم:51] .

ثالثًا:(الذكر) وصف للقرآن: قال تعالى: {ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ} [ص :1] ((ووصِفَ  بـ (ذي الذكر) لأن (ذي) تضاف إلى الأشياء الرفيعة فتجري على متصفٍ مقصود التنويه به)) ([6]).

رابعًا: إن هذا الذكر (حكيم):
 قال تعالى: { ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ} [آل عمران:58]،وهو مما يُتلى على النبي الخاتم صلى الله عليه وآله متضمنًا لأخبار الأنبياء السابقين ((واسم الإشارة إلى الكلام السابق من قوله تعالى: {إِذْ قَالَتِ الْمَلآئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ} [آل عمران:45] )) ([7])، ووصف الذكر بالحكيم فيه ثلاثة وجوه ((يحتمل أن تكون بمعنى محكم (اسم مفعول) كما في قوله تعالى: { كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُه} و { مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ} فهو محكم، وقد يكون مبالغة في الحكم لأنه حاكم على غيره ومهيمن على غيره من الكتب والأحكام { مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ} أو هو صفة مشبّهة من الحكمة فهو ينطق بالحكم ويأتي بها. كل هذه المعاني مُرادة ولم يأتِ بقرينة تصرف إلى معنى من هذه المعاني وهذا ما يُسمى التوسع في المعنى)) ([8])) ([9]).

الهوامش:
([1])ينظر المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم: 342.
([2])المحيط في اللغة (زبر): 9 / 45.
([3])ينظر الكشاف: 3 /135.
([4]) معاني القرآن وإعرابه: 3/407.
([5]) ينظر: روح المعاني: 17 / 153.
([6])التحرير والتنوير: 23/128
([7]) السابق: 3 /111 .
([8])أسرار البيان في التعبير القرآني: 108 .
([9]) لمزيد من الاطلاع ينظر: الآيات المتعلقة بالإمام علي (عليه السلام) / دراسة في ضوء المعنى النحوي الدلالي، تأليف: رضي فاهم عيدان، ط1، مؤسسة علوم نهج البلاغة في العتبة الحسينية المقدسة، ص 214-217.

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.0902 Seconds