بقلم: د. حسام عدنان الياسري.
الحمد لله الذي علا بحوله، ودنا بطوله، مانع كل غنيمة وفضل، وكاشف عظيمة وأزل، والصلاة والسلام على خير خلقه محمد وآله الاطهار.
وبعد:
شَالَتْ الناقَةُ بذنَبِهَا، إذا رَفَعَته([1])، والشَّوْل من النّوق اللواقح، الواحدة شَائِل، وهي التي ضربها الفحل؛ فشالت بذنبها، أي رفعته، لتري الفحل أنها لاقح، وهذهِ علامة للقاحها([2]). والشَّوْل من النوق واحدتها شائلة هي التي نقصت ألبانها، أوجفت([3]). وتنقص ألبان الإبل، إذا أتى عليها سبعة أشهر من يوم نتاجها، فلا يبقى في ضروعها إلاّ شول من اللبن، أي بقية مقدار ثلث ما كانت عليه في حدثان نتاجها([4]). وقد استعملت لفظتا (أَشَاُلوا) و (شوْله) مرة واحدة لكل منهما في نهج البلاغة ([5])؛ للدلالة على ما يأتي:
أولاً: الدلالة على رَفْع الأيدي للقِتَال.
وقد استعمل الإمام هذه الدلالة لمفردة (أَشَالُوا) في قوله الذي يتحدث فيه على الفتن والضلال: ((...وَاسْتَرَاحَ قَوْمٌ إِلَى الْفِتَنِ، وَأَشَالُوا عَنْ لَقَاحِ حَرْبِهِمْ، لَمْ يَمُنُّوا عَلَى اللهِ بِالصَّبْرِ، وَلَمْ يَسْتَعْظِمُوا بَذْلَ أنْفُسِهِمْ فِي الْحَقِّ...))([6]). والنص في صفة قومٍ من أهل الضلال الذين استراحوا إلى الفتن، ومالوا إلى ضلالها واتباعها، فأشالوا أيديهم وسيوفهم إلى لقاح حربهم مع أهل الفتنة والضلال. وقد أخذ الإمام لفظة (أَشَالُوا) أو (آشتالوا) في بعض الروايات، للدلالة على تعزيز الحرب والفتن وإلقاحها كما تلقح الإبل الشوال([7]). وهذا المفردة مأخوذة من قولهم (ناقة شائل) أو (شَوْل)، وهي التي ترفع ذنبها علامة على أنها لاقحٌ ([8]). أو كأنها تستعد للقاح، فتشول بذنبها للفحل([9]). فعبّر (عليه السلام) بهذه المفردة عن رفع أيديهم وسيوفهم عن أن يلقحوا الحرب على هذه المفردة عن رفع أيديهم وسيوفهم عن أن يلقحوا الحرب على هذه الفئة التي جنحت إلى الفتنةِ. وقد ناسب (عليه السلام) بين مفردة (أُشَالُوا) ومفردة (لَقَاح) التي تدل على الناقَةِ اللاّقح التي يلقحها الفحل. فكأن هؤلاء الذين يتحدث عنهم قد رفعوا أذنابهم عن لقاح الحرب وإشعال نارها مع فئة الضلال؛ لأنهم - فيما يبدو - قد وقعوا في شبهةٍ جعلتهم يميلون إلى تلك الفئة، فاستراحوا عن منابذتهم، ودخلوا معهم في ضلالهم وفتنهم([10]). فهم - بهذهِ الحال - كاللقاح التي رفعت شولها للفحل علامة منها على استعدادها للقاح، وكانت علامة هذهِ الجماعة التي شبهها الإمام بالشول من الإبل، أن رفعوا شول أيديهم وسيوفهم للناس ايماء منهم إلى عدم رغبتهم بالقتال وإعلان الحرب. وثمة وجه آخر من المعنى يحتمله النص وهو أنّ هذهِ الجماعة من الذين ((أشالُوا عن لِقَاحِ حَرْبهم)) إنما لم يفعلوا ذلك - أي لم يعلنوا الحرب ضد فئة الضلال - لأنهم كانوا صابرين على مضضٍ من ألم المنكر الذي يشاهدونه من هذه الجماعة حتى يقوم من ينصر الحق، ويقود حركة القضاء على أهل الضلال والفتن، فيدعوهم إلى نصرة الله، فينهضون وقد حملوا بصائرهم على أسيافهم([11]).
ثانياً: الدلالة على الشائِلة من الإبل.
وهي التي أتى عليها من يوم حَمْلها سبعة أشهرٍ، فيخف لبنها وينقص. وقد شبه الإمام الناس يوم القيامة بهذا النوع من النوق، وذلك في قوله (عليه السلام): ((... فَكَأَنَّكُمْ بَالسَّاعَةِ([12]) تَحْدُوكُمْ حَدْوَ الزَّاجِرِ([13]) بِشَوْلِهِ، فَمَنْ شَغَلَ نَفْسَهُ بِغَيْرِ نَفْسِهِ تَحَيَّرَ فِي الظُّلُمَاتِ...)) ([14]). يريد أن الساعة، وهي وقت القيامة تأتيكم بغتة، فتسوق الناس زجراً، دفعاً لهم إلى مواضعهم فيها. فاستعار الإمام لفظة (شَوْله) للناس، مشبهاً إياهم بالشّوْلِ من النوق التي جف لبنها وانقطع، وجفاف ألبان النوق لا يكون إلاّ بعد حَمْلها الذي وقّت له اللغويون مدة سبعة أشهر من يوم الحَمْل. وقد صحح الأزهري هذهِ الفكرة التي تداولها اللغويون من أنّ الناقة الشّوْل هي التي مضى على حملها سبعة أشهر، فذكر أن الشّوْل من النوق هي التي أتى عليها من يوم نتاجها سبعة أشهر، وليس ذلك الحساب من يوم حملها، ولا يكون ذلك إلاّ اذا كانت الناقة كِشَافاً، وهو أن يضربها الفحل بعد نتاجها بأيامٍ قلائل، فهي كَشُوف - حينئذ - وهذا من أردا النتاجِ عند العرب([15]).
أقول: والشول من النوق تحتاج إلى رقة في الزجر، ومراعاة في السوق، لكونها قريبة عهد بالولادة، وتسميتها وهذهِ مأخوذة من قلة لبنها أو جفافه في ضرعها و أخلافها وهذهِ الصفة مأخوذة من قولهم لبقية الماء في المزادة أو القربة: شَوْل. كأن الشّوْل من النوق هي التي لم يبق فيها من اللبن إلاّ مقدار ثلث، لأنّها كانت تحلب في حدثان نتاجها([16]). ويمكن تطلق كلمة (شَوْل) أيضاً على الإبل التي ضعفت، فلزقت بطونها بظهورها([17]). فكأن الناس الذين تحدوهم الساعة زجراً كالشول من النوق، لم يبق فيهم بقية من خيرٍ أو قوةٍ؛ لأنهم استنزفوها في حياتهم الدنيا، وبذلوا كل ما يملكونه من نعمٍ على ملذاتهم الدنيوية، فلما جاءتهم حدوة الآخرة بغتة، وساقتهم سوقاً عنيفاً، لم يسعهم ذلك الوقت أن يحرزوا الرفق الذي كانوا عليه في دنياهم. وقد استعار (عليه السلام) (للساعة) لفظة (الحَدْو) و (الزَّجر) تشبيهاً بالزَّاجر الذي يسوق الشول زجراً عنيفاً، فيعسف بها، فهي ليست كالنوق العشار التي أتى عليها عشرة أشهر ([18]). ووجه الشبه بين حدو الساعة وزجرها، وحدو زاجر الإبل وسوقه لها هو السرعة والحث([19]). وأشار بعض الشراح إلى أن الإمام (عليه السلام) إنما خص (الشّول) دون بقية النوق في هذا السياق؛ لأنها أخفُّ النوق في السوق فضلاً عن خلوها من العِثار في الحدو([20]). وهذا المعنى مقبول، إذا كانت (الشّوْل) هي الخفيفة من النوق بسبب من ضعفها ولزوق بطونها بظهورها، فكأنها - بهذا الوصف - أخف الدواب سيراً من غيرها. وهذهِ الدلالة تقوي المعنى الذي يشير اليه الإمام في أن الساعة تحدو بالناس وتزجرهم بالسوق العنيف الذي لا يدع لهم بقية متلكئة تعثر في طريقها إلى موقفها يوم القيامة)([21]).
الهوامش:
([1]) ينظر: العين (شول): 6/285.
([2]) ينظر: العين (شول): 6/285، وتهذيب اللغة (شول): 11/282، ولسان العرب (شول): 11/374.
([3]) ينظر: العين (شول): 6/285.
([4]) ينظر: تهذيب اللغة (شول): 11/282، ولسان العرب (شول): 11/374.
([5]) ينظر: المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة: 247.
([6]) نهج البلاغة: خ/150: 262.
([7]) ينظر: شرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد): 9/99.
([8]) ينظر: تهذيب اللغة (شول): 11/375.
([9]) ينظر: لسان العرب (شول): 11/375.
([10]) ينظر: شرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد): 9/100.
([11]) ينظر: شرح نهج البلاغة (البحراني): 3/614.
([12]) السَّاعة في اللغة جزء من أجزاء الليل والنهار. ينظر: لسان العرب (سوع):8/169، والمراد بها في النص الوقت الذي تقوم فيه القيامة، والساعة القيامة. ينظر: لسان العرب (سوع): 8/169.
([13]) الزَّاجر. أصل الزّجر المنع والنهي. والزجر للبعير كالحَثِّ له. ينظر: لسان العرب (زجر): 4/318،319.
([14]) نهج البلاغة: خ/ 157: 276. وقد نقلت المدونات اللغوية قول الإمام أعلاه، ومنها. النهاية في غريب الحديث: 2/510، ولسان العرب (شول): 11/375.
([15]) ينظر: تهذيب اللغة (شول): 11/282.
([16]) ينظر: تهذيب اللغة (شول): 11/282، ولسان العرب (شول): 11/374.
([17]) ينظر: العين (شول): 6/285.
([18]) ينظر: شرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد): 9/163.
([19]) ينظر: شرح نهج البلاغة (البحراني): 3/644.
([20]) نفسه.
([21]) لمزيد من الاطلاع ينظر: ألفاظ الحياة الاجتماعية في نهج البلاغة: للدكتور حسام عدنان رحيم الياسري، ط: العتبة الحسينية المقدسة، مؤسسة علوم نهج البلاغة: ص 189-193.