من كلام الإمام علي (عليه السلام) في كتب غريب الحديث الحقل الدلالي للمركبات: 3-تَدَاكَكْتُمْ عليَّ قال عليه السلام (ثُمَّ تَدَاكَكْتُمْ عليَّ تَدَاكُك الْإِبِلِ الهِيم عَلَى حِيَاضِها)

مقالات وبحوث

من كلام الإمام علي (عليه السلام) في كتب غريب الحديث الحقل الدلالي للمركبات: 3-تَدَاكَكْتُمْ عليَّ قال عليه السلام (ثُمَّ تَدَاكَكْتُمْ عليَّ تَدَاكُك الْإِبِلِ الهِيم عَلَى حِيَاضِها)

51 مشاهدة | تم اضافته بتاريخ 01-10-2026

بقلم: د. زهراء حسين جعفر

الحمدُ لله الذي جعل الحمد مفتاحاً لذكره، وسببا للمزيد من فضله، ودليلا على آلائه وعظمته، وأشهد أنّ محمدًا عبده ورسوله، أرسله بالضياء، وقدمه في الاصطفاء، وجعله خاتم الأنبياء صلى الله عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين.

أما بعد:
ذُكِرَ حديثُ الإمام (عليه السلام) يَصِفُ فيه بَيْعتِهِ للخلافَةِ بقَولهِ: ((ثُمَّ تَدَاكَكْتُمْ عليَّ تَدَاكُك الْإِبِلِ الهِيم عَلَى حِيَاضِها))([1]). فالإبل معروفة، وهي تسمیة تطلق على صغار الأباعِر ومَسَانِّها([2])، ولفظ (إبِل) اسم جمعٍ لا واحد له؛ لأنّ أسماء الجموع التي لا واحد لها من لفظها إذا كانت لغیر العشرة ([3]). وربما سكنت العرب (الباء) من (إبِل) تخفیفاً، فقالت (إبْل)([4]).
ويمكن بيان هذا التركيب الغريب في حديثه (عليه السلام) يصف فيه بيعته للخلافة في قوله(تَدَاكَكْتُمْ عليَّ)، والدكّ في اللغة: ((الدقُّ. وقد دَكَكْتُ الشيء أدكة دكا، إذا ضربته وكسرتَه حتَّى سوّيته بالأرض))([5])، وتَدَاكَّ عَلَيْهِ الْقَوْم إِذا ازْدَحمُوا عَليهِ([6]). فهذه كناية عن شدة ازدحامهم، أي: انهم اجتمعوا عليه وتزاحموا مثل الإبل العطاش عند شرب الماء تدك بعضها بعضاً، كما يتضح من قولهم: تداك الناس عليه، أي: ازدحموا حتى وقع بعضهم على بعض ([7]) فقوله (عليه السلام): (ثُمَّ تَدَاكَكْتم عليَّ تَدَاكُكَ الإِبل)، أي: ازْدَحَمْتُمْ عليَّ، ولم يجعل الفعل مطلقا بل أكده وقيده بالمفعولية، وهذا المعنى مخصوص، في كلامه بازْدِحام الإبل، وإرسالها جمعاء الى الوِرد([8]) حين أكد زحام اصحابه عليه في قوله (فَتَدَاكُّوا عَلَيَّ تَدَاكَّ الإبل الهِیمِ یَوْمَ وِرْدِهَا وَقَدْ أَرْسَلَها راعِيها ) ويمكن ان يكون تشبيهاً بزحام الإبل العطاش حين يطلقها رعاتها الى الماء ووجه الشبه شدة الزحام.
وفحوى كلام الإمام (عليه السلام) أنّهم تزاحموا عليه لمبايعته رغبة فيه، فهذه الدلالة لم تنشأ مع اللفظ، أو التركيب، ولم تحضر ميلاده؛ لأن كل جيل له حاجة ملحَّة في فهم متجدد للغة، فدلالة التراكيب أو التعبيرات الاصطلاحية لا يُفْهَم معناها من معاني مفرداتها ومن العلاقات النحوية القائمة بينها، فالواحد من هذه التراكيب يختلف معناه عن المعنى الكلي لأجزائه ومَثَلُ التراكيب في الدلالة على مدلول معين مثلُ الكلمة المفردة في السياق المحدد، فهي تعطي دلالة معينة، ومثل مفردات التراكيب، فـ((لا نستطيع فهم دلالة التراكيب من مفرداتها متفرقة...، فإننا نتعلمها على أنّها كل لا يتجزأ، وقد عرفها ليونز: »ما يُتعلَّم بوصفه كلا غير قابل للتحليل يستخدمه المتكلم في مناسبات خاصة» )) ([9]) فلا يُفْهَمُ معنى التزاحم إلاّ في ضوء التركيب (تداككتم عليَّ تداكك الإبل الهيم)، كقولنا (ألقى عصاه) تركيب اصطلاحي؛ لأنَّ دلالته على أنَّه أقام واطمأن وهذا المعنى لا نفهمه من معاني مفرداته (ألقى)، و(عصاه)، وإنّما يفهم من التركيب الاصطلاحي. فلفظ (تداككتم) لا يُفْهَمُ معناه إلاّ مع القرائن اللفظية التي وردت في السياق. كما نجد المصاحبة اللغوية بین الفعل الماضي المسند الى تاء الفاعل (تداككتم) وحرف الجر(على) للدلالة على الاستعلاء فهذه المصاحبة اللغوية تضفي على الفعل دلالة تختلف عن دلالة تعدية الفعل بصورة مباشرة، إذ يدل على التوجّه...، وهذا الامتداد توحي به دلالة حرف الجر (على) الاستعلاء، ولو تعدى الفعل بنفسه لذهبت هذه الدلالة الخاصة، كما في قوله(عليه السلام): ((جاءه الموت فذهب به))([10]) إذ إنَّ المجيء في هذا المثال مجيء مباشر لا امتداد فيه، إذ يصيب الإنسان الموت فكل انسان مبتلى بالموت، ويأتي اليه بصورة مباشرة، فالسياق اللغوي له دور كبير في بيان المصاحبة اللغوية بين الفعل وحرف الجر والدلالة المصاحبة له([11]).وبهذا يمكن القول بأن الإمام(عليه السلام) نقل المعنى من الكسر والضرب الى الدلالة على الازدحام والتجمع.)([12]).

الهوامش:
([1]) النهاية في غريب الحديث والأثر: 2/128، لسان العرب: 10/426، تاج العروس: 27/154.
([2]) ينظر: مقاييس اللغة: (أبل)1/40، والمحكم والمحيط الأعظم: (أبل)10/409.
([3]) ينظر: مقاييس اللغة: (أبل)1/40، ولسان العرب: (أبل)11/3.
([4])  ينظر: لسان العرب: (أبل)11/3.
([5]) الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية: (د ك ك)4/1583، وينظر: مختار الصحاح: (دك ك)1/106.
([6]) ينظر: تهذيب اللغة: (دك ك)9/324، ولسان العرب: (أبل)11/3.
([7]) ینظر: غريب الحديث: الخطابي: 2/428، والنهاية في غريب الحديث والأثر: 2/128، ولسان العرب: 10/426.
([8]) ینظر: تاج العروس: (دك ك)27/154.
([9]) علم الدلالة دراسة نظرية وتطبيقية، فريد عوض حيدر: 113.
([10]) نهج البلاغة بشرح ابن أبي الحديد: 7/66.
([11]) ينظر: غريب نهج البلاغة: 211.
([12]) لمزيد من الاطلاع ينظر: كلام الإمام علي عليه السلام في كتب غريب الحديث/دراسة في ضوء نظرية الحقول الدلالية، تأليف زهراء حسين جعفر، ط1، مؤسسة علوم نهج البلاغة في العتبة الحسينية المقدسة، ص261-263.

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.1080 Seconds