من دلالة الأفعال في الخطبة المونقة للإمام علي عليه السلام دلالة الفعل ((ي يَرِمُّ)) في قوله: «وَينْشفُ دَمُهُ، وَيَرِمُّ عَظْمُهُ»

أثر نهج البلاغة في اللغة والادب

من دلالة الأفعال في الخطبة المونقة للإمام علي عليه السلام دلالة الفعل ((ي يَرِمُّ)) في قوله: «وَينْشفُ دَمُهُ، وَيَرِمُّ عَظْمُهُ»

27 مشاهدة | تم اضافته بتاريخ 09-04-2026

بقلم: الدكتور مصطفى كاظم شغيدل

الحمد لله الذي صدقنا وعده هي مقالة المتقين، وصلى الله على خير خلقه أجمعين محمد وآله الطيبين الطاهرين.

وبعد:

امتازت الخطبة المونقة لأمير المؤمنين عليه السلام والتي تسمى أيضا بـ(الخطبة الخالية من الألف) بكثرة الأفعال فيها، إذ وصلت إلى (170) فعل، فضلاً عما جاء مكرراً وبصيغة مختلفة؛ وهذه الخطبة مع أنها قيلت في موضع التندر لخلوها من الألف، غير أنها لم تكن خالية من الفكر بمختلف أبعاده، وهو على النحو الآتي:

تدلُّ مادَّة (رَمَّ) في اللُّغة على التَّفتُّت، والبِلَى، والتَّحْطيم، والنَّخر. جاء في (العين): «رَمَّ العظم: صار رميماً، أَيْ: مُتفَتِّتاً... والرِّمَّةُ: العظام البالية» ([1]).
ويُقال: رَمَّ العظم: إذا انتشر فصار رميماً، وأَرَمَّت السَّنَةُ النَّاس إرماماً: حَطَمَتْهُم. ورَمَّ العظم يَرِمُّ رَمّاً ورميماً، إذا نَخَر وبَلِيَ. والرِّمَّة: العظم البالي([2]).
وبهذا المعنى أَورد أَمير المؤمنين (عليه السلام) هذا الفعل (يرمُّ) مرَّةً واحدة في الخطبة، وهو خامس الأَفعال الخمسة التي جاء بها (عليه السلام) لبيان ما يجري على جسم الإنسان في داخل القبر، إذ قال (عليه السلام): «يَسْعَى فِي جِسْمِهِ دُوْدُ قَبْرِهِ، وَيَسِيْلُ صَدِيْدُهُ مِنْ مَنْخِرِهِ، وَيُسْحَقُ بَدنُهُ وَلَحْمُهُ، وَينْشفُ دَمُهُ، وَيَرِمُّ عَظْمُهُ»، أَيْ: ينخر، ويتحطَّم، ويتفتَّت، ويبلو.

و(يَرِمُّ) فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه الضَّمَّة الظَّاهرة على آخره، و(عظمُه) فاعل مرفوع، وعلامة رفعه الضَّمَّة الظَاهرة على آخره، وهو مضاف، والهاء: ضمير متَّصل مبنيٌّ على الضَّمِّ في محلِّ جرٍّ بالإضافة. وجملة (ويرم عظمه) معطوفة على جملة (وينشف دمُه).

وجدير بالذِّكر أَنَّ أَمير المؤمنين (عليه السلام)  استعمل هذه الأَفعال، وهي قوله (يسعى، ويسيل، ويسحق، وينشف، ويرم) في وصف ما يجري على جسم الإنسان في داخل القبر بعد دفنه بصيغة المضارع؛ لما فيه من دلالة على الحال والاستقبال، والتَّجدُّد والحدوث ([3])، فيكون الفعل المضارع مناسباً لهذه الأَفعال؛ فهذه الأَفعال تدلُّ على حركة وتجدُّد وحدوث، فالفعل (يسعى) يدلُّ على المشي السَّريع، والعَدْو، والجدِّ في الأَمر، والفعل (يسيل) يدلُّ على الجريان، والفعل (يسحق) يدلُّ على المشي السَّريع، والدَّقِّ بعد الدَّقِّ، والفعل (ينشف) يدلُّ على ذهاب الماء واليبس، والفعل (يرمُّ) يدلُّ على التَّفتُّت، والتَّحطيم، والنَّخر، وهذه الأَفعال كلُّها تدلُّ على حركة وتجدُّد وحدوث؛ ولذا أَوردها أَمير المؤمنين (عليه السلام)  بصيغة المضارع الدالِّ على الحركة، والحدوث، والتَّجدُّد.
فضلاً عن ذلك، فإنــَّه ورد في الأَخبار أَنَّ الإنسان حين يُجعل في قبره، فإنَّ قبره إمَّا أَنْ يكون روضة من رياض الجنَّة، أَو حفرة من حفر النِّيران، وإذا كان القبر حفرة من حفر النِّيران ــ والعَياذ بالله ــ، فلاشكَّ في أَنَّ الإنسان في تلك الحفرة في عذاب دائم، أَيْ: في حركة دائمة حادَّة ومتجدِّدة، فيكون الفعل المضارع مناسباً لهذه الحركة الدَّائمة.
من ذلك يتبيَّن لنا دقَّة استعمال أَمير المؤمنين (عليه السلام)  للأَلفاظ بما يناسب معانيها، وبدقَّة متناهية في ذلك كلِّه)([4]).

الهوامش:
([1]). ينظر: جمهرة اللغة: 1/41، وتهذيب اللغة: 5/125و 126، ومعجم مقاييس اللغة: 2/311، والصحاح في اللغة: 1/271، ومفردات ألفاظ القرآن: 365، ولسان العرب: 12/251، وتاج العروس: 1/7738و 7739.
([2]). ينظر: الفعل (نستعينه) من الكتاب.
([3]). العين: 2/170.
([4]) لمزيد من الاطلاع ينظر: الأفعال في الخطبة المونقة للإمام علي عليه السلام بين الدلالة المعجمية والاستعمال الوظيفي: للدكتور مصطفى كاظم شغيدل، ط1، مؤسسة علوم نهج البلاغة في العتبة الحسينية المقدسة، ص257-259.

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.2072 Seconds