من دلالة الأفعال في الخطبة المونقة للإمام علي عليه السلام دلالة الفعل ((حُصِّلت)) في قوله عليه السلام: «وَحُصِّلتْ سَرِيْرَةُ صُدُوْرٍ»

أثر نهج البلاغة في اللغة والادب

من دلالة الأفعال في الخطبة المونقة للإمام علي عليه السلام دلالة الفعل ((حُصِّلت)) في قوله عليه السلام: «وَحُصِّلتْ سَرِيْرَةُ صُدُوْرٍ»

46 مشاهدة | تم اضافته بتاريخ 15-06-2026

بقلم: الدكتور مصطفى كاظم شغيدل

الحمد لله الذي صدقنا وعده هي مقالة المتقين، وصلى الله على خير خلقه أجمعين محمد وآله الطيبين الطاهرين.

وبعد:
امتازت الخطبة المونقة لأمير المؤمنين عليه السلام والتي تسمى أيضا بـ(الخطبة الخالية من الألف) بكثرة الأفعال فيها، إذ وصلت إلى (170) فعل، فضلاً عما جاء مكرراً وبصيغة مختلفة؛ وهذه الخطبة مع أنها قيلت في موضع التندر لخلوها من الألف، غير أنها لم تكن خالية من الفكر بمختلف أبعاده، وهو على النحو الآتي:
تدلُّ مادَّة (حُصِّلت) في اللُّغة على الباقي، أو الثــَّابت، أَو جمع الشَّيء، وتمييزه، وتبيينه، واستخراجه. جاء في (العين): «حَصَلَ يَحصُلُ حُصُولاً: أَيْ: بقي، وثبت، وذهب ما سواه من حساب أَو عمل ونحوه، فهو حاصل. والتَّحصيل: تمييز ما يحصل. والاسم: الحصيلة» ([1]).
وقال ابن فارس: «الحاء والصَّاد واللَّام أَصل واحد منقاس. وهو جمع الشَّيء؛ ولذلك سمِّيت حوصلة الطَّائرة؛ لأَنــَّه يجمع فيها. ويُقال: حَصَّلتُ الشَّيء تحصيلاً. وزعم ناس من أَهل اللُّغة أَنَّ أَصل التَّحصيل استخراج الذَّهب أَو الفضَّة من الحجر أَو من تراب المعدن، ويقال لفاعله المحُصِّل» ([2]).
ويُقال: حَصَّلْتُ الشَّيء تحصيلاً. وحَاصِلُ الشَّيءِ ومحصولُه: بقيَّتُهُ. وتَحصيلُ الكلام: ردُّه إلى محصوله. وحَصَل الشَّيء يَحصُلُ حُصُولاً. والحاصل: الباقي، والثــَّابت. والتَّحصيل: تمييز ما يَحصُلُ. والاسم: الحصيلة. والتَّحصيل: أَنْ ينزل النَّاسُ كُلٌّ منهم منزلة. والتَّحصيل: إخراج الذَّهب من الفضَّة ([3]).
وقال الزَّبيديّ: «الحاصل من كلِّ شيء: ما بقي، وثبت، وذهب ما سواه يكون في الحساب والأَعمال ونحوهما... والتَّحصيل: إخراج اللُّب من القشور كإخراج الذَّهب من حجر المعدن، والبُرِّ من التِّبن، قال الله تعالى: (وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ)([4])، أَيْ: أُظهر ما فيها وجُمِعَ كإظهار اللُّبِّ من القشر وجمعهِ، أو كإظهار الحاصل من الحساب... وحُصِّل ما في الصُّدور: أَيْ: بُيِّن، وقيل: مُيِّز، وقيل: جُمِع... وتحصَّل الشَّيء: تجمَّع وثبت. والمحصول والحاصل والحصيلة: بقيَّة الشَّيء» ([5]).
وأَورد أَمير المؤمنين (عليه السلام) هذا الفعل (حُصِّلت) مرَّةً واحدة في الخطبة في مقام إبراز المخفيِّ في الصُّدور يوم القيامة، واستخراجه منها بعد أَنْ كان مستوراً، إذ قال (عليه السلام): «ويُقِيْمُ فِيْ قَبْرِهِ لِيَوْمِ حَشْرِهِ، فَيُنْشَرُ مِنْ قَبِرِهِ حِيْنَ يُنْفَخُ فِيْ صُوْرٍ، وَيُدْعَى بِحَشْرٍ وَنُشُوْرٍ، فَثَّمَ بُعْثِرَتْ قُبُوْرٌ، وَحُصِّلتْ سَرِيْرَةُ صُدُوْرٍ». إذا جُمِعَ ما في الصُّحف، ومُيّز بين خيره وشرِّه([6]). فَعِلْمُ الله ــ تبارك وتعالى ــ يقود إلى المجازاة على مقادير الأَعمال؛ لأَنَّ ذلك أَثر خُبْرِهِ بهم([7]). وكثيراً ما يكون باطن الإنسان بخلاف ظاهره، أَمَّا يوم القيامة، فتظهر الأَسرار، وتنكشف وتهتك الأَستار، ويبدو ما في البواطن، لقوله ــ عَزَّ وَجَلَّ ــ: (يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ)([8]). وخُصَّ بالذِّكر ما في البواطن حيث أَخبر ــ سبحانه ــ بتحصيل ما في الصُّدور دون الإشارة إلى ذكر الجوارح؛ لأَنَّ الأَخيرة تابعة لأَعمال القلوب. وقال (عليه السلام): «وحُصِّلت سريرة صدور» ولم يقل ما في القلوب؛ لأَنَّ القلب مطيَّة الرُّوح، وهو بالطبع محبٌّ لمعرفة الله، إنَّما المنازع في هذا الباب هو النَّفس، ومحلُّها ما يقرب من الصَّدر([9]).
وقول أَمير المؤمنين (عليه السلام): «وحُصِّلت سريرة صدور» تضمين لقوله ــ تبارك وتعالى ــ: (أَفَلا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ * وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ)([10])، بَيْدَ أَنَّ أَمير المؤمنين (عليه السلام)  قال: «وحُصِّلت سريرة صدور»؛ لأَنــَّه لو قال: «حُصل ما في الصدور» لفاتت الفائدة من الخطبة؛ كونها خالية من الأَلف.
و(حُصِّلت) فعل ماضٍ مبنيٌّ للمجهول، مبنيٌّ على الفتح، والتَّاء: تاء التَّأنيث السَّاكنة، ضمير متَّصل مبنيٌّ على السُّكون لا محلَّ لها من الإعراب، و(سريرةُ) نائب فاعل، مرفوع وعلامة رفعه الضَّمَّة الظَّاهرة على آخره، وهو مضاف، و(صدور) مضاف إليه مجرور، وعلامة جرِّه الكسرة الظَّاهرة على آخره. وجملة (وحُصِّلت سريرة صدور) معطوفة على جملة (فَثَمَّ بعثرت قبور)([11]).

الهوامش:
([1]). العين: 1/192. وينظر: تهذيب اللغة: 2/12، والمخصص: 2/481، والمحكم والمحيط الأعظم: 1/463، والقاموس المحيط: 3/76.
([2]). معجم مقاييس اللغة: 2/53.
([3]). ينظر: الصحاح في اللغة: 1/133، والمحيط في اللغة: 1/192، ولسان العرب: 11/153، والمصباح المنير: 2/398.
([4]). العاديات: 10.
([5]). تاج العروس: 1/6979. وينظر: مفردات ألفاظ القرآن: 240.
([6]). ينظر: الكشاف: 4/781.
([7]). ينظر: المصدر نفسه: 4/781.
([8]). الطارق: 19.
([9]). التفسير الكبير: 32/69، وألفاظ القدرة والتمكين في القرآن الكريم (دراسة دلالية) (أُطروحة دكتوراه): 616و 617.
([10]). العاديات: 10.
([11])لمزيد من الاطلاع ينظر: الأفعال في الخطبة المونقة للإمام علي عليه السلام بين الدلالة المعجمية والاستعمال الوظيفي: للدكتور مصطفى كاظم شغيدل، ط1، مؤسسة علوم نهج البلاغة في العتبة الحسينية المقدسة، ص265-268.

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.0939 Seconds