الدنيا في كتاب له (عليه السلام) إلى عثمان بن حنيف الأنصاري (وهو عامله) على البصرة، وقد بلغه أنّه دُعي إلى وليمةِ قوم من أهلها فمضى إليها

سلسلة قصار الحكم

الدنيا في كتاب له (عليه السلام) إلى عثمان بن حنيف الأنصاري (وهو عامله) على البصرة، وقد بلغه أنّه دُعي إلى وليمةِ قوم من أهلها فمضى إليها

36 مشاهدة | تم اضافته بتاريخ 07-06-2026

بقلم السيد عبد الحسين الغريفي المشهدي

الحمد لله رب العالمين، ثم الصلاة والسلام على سيّد الخلق أجمعين سيدنا ونبيّنا أبي القاسم المصطفى وعلى آله الطيبين الطاهرين، واللعن الدائم على اعدائهم أجمعين من الآن إلى قيام يوم الدين.

وبعد:
أَمَّا بَعْدُ، يَابْنَ حُنَيْفٍ، فَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ رَجُلاً مِنْ فِتْيَةٍ أَهْلِ الْبَصْرَةِ دَعَاكَ إِلَى مَأْدَبَةٍ فَأَسْرَعْتَ إِلَيْهَا، تُسْتَطَابُ لَكَ الْأَلْوَانُ وَتُنْقَلُ إِلَيْكَ الْجِفَانُ، وَمَا ظَنَنْتُ أَنَّكَ تُجِيبُ إِلَى طَعَامٍ قَوْمٍ، عَائِلُهُمْ مَجْفُوٌّ، وَغَنِيُّهُمْ مَدْعُوٌّ. فانظُرْ إِلَى مَا تَقضَمُهُ مِنْ هَذَا الْمَقْضَمِ، فَمَا أَشْتَبَهَ عَلَيْكَ عِلْمُهُ فَالْفِظُهُ، وَمَا أَيْقَنَتَ بِطِيبٍ وُجُوهِهِ فَتَلْ مِنْهُ. أَلَا وَإِنَّ لِكُلِّ مَأْمُومِ إِمَاماً يَقْتَدِي بِهِ وَيَسْتَضِيءُ بِنُورِ عِلْمِهِ. أَلَا وَإِنَّ إِمَامَكُمْ قَدِ اكْتَفَى مِنْ دُنْيَاهُ بِطِمْرَيْهِ، وَمِنْ طَعْمِهِ بِقُرْصَيْهِ، أَلَا وَإِنَّكُمْ لَا تَقْدِرُونَ عَلَىٰ ذَلِكَ، وَلَكِنْ أَعِينُونِي بورع وَاجْتِهَادٍ، (وَعِفَّةٍ وَسَدَادٍ)([1]). فو اللهِ مَا كَنَزْْتُ مِنْ دُنْيَاكُمْ تَبْراً، وَلَا ادْخَرْتُ مِنْ غَنَائِمِهَا وَفْراً، وَلَا أَعْدَدْتُ لِبَالِي ثَوْبِي طِمْراً، وَلَا حُزْتُ مِنْ أَرْضِهَا شِبْراً، وَلَا أَخَذَتْ مِنْهُ إِلَّا كَقُوتِ أَتَانٍ دَبِرَةٍ، وَلَهِيَ فِي عَيْنِي أَوْهَى وَأَهْوَنُ مِنْ عَفْصَةٍ مَقِرَةٍ)([2]) ([3]).

شرح الألفاظ الغريبة:
المأدبة: - يفتح الدال وضمّها - الطعام يصنع لدعوة أو عرس؛ تستطاب لك: يطلب لك طيبها؛ الألوان : المراد هنا أصناف الطعام: الجفان : - بكسر الجيم، جمع جفنة - وهي القصعة؛ عائلهم: محتاجهم: مجفو: أي مطرود من الجفاء؛ قضم: كسمع - أكل بطرف أسنانه، والمراد الأكل مطلقاً، والمقضم - كمقعد - المأكل: الفظه: إطرحه: الطمر: - بالكسر - الثوب الخلق البالي؛ طعمة : - بضم الطاء - ما يطعمه ويفطر عليه: قرصيه: تثنية قرص، وهو الرغيف السداد: التصرف الرشيد، وأصله الثواب والاحتراز من الخطأ: التبر : - بكسر فسكون - فتات الذهب والفضة قبل أن يصاغ: الوفر: المال؛ الطير: الثوب البالي، وقد سبق قريباً، والتوب هنا عبارة عن الطمرين، فإن مجموع الرداء والإزار بعد ثوباً واحداً، فيها يكسى البدن لا بأحدهما؛
آتان دَيِرَةٍ: هي التي عقر ظهرها فقلّ أكلها: مَقِرَة: أي مرة([4]) .

الشرح:
في الكتاب مقاصد:
الأوّل: أشار إلى ما يريد عتابه عليه وهو إجابته إلى المأدبة مسرعاً يستطاب له الألوان وتنقل إليه الجفان، وأعلمه أنه بلغه ذلك مقرراً له ليحسن توبيخه، وذلك في قوله: «أمّا بعد ...» إلى قوله: «الجفان».

الثاني: أشار على وجه المعاتبة إلى تخطئته في ذلك بقوله: «وما ظننت أنك ...» إلى كذا: أي كان ظني فيك من الورع أنك تنزه نفسك عن الإجابة إلى طعام قوم لا يلتفتون إلى فقراتهم، ويقصرون الدعوة والكرامة على أغنياتهم وأمرائهم، ووجه الخطاء في إجابة داعي هؤلاء أن تخصيصهم الأغنياء دون الفقراء بالكرامة والدعوة دليل واضح على أنهم إنما يريدون بذلك الدنيا والسمعة والرياء دون وجه الله تعالى، ومن كان كذلك فإجابته موافقة له على ذلك ورضى يفعله، وذلك خطاء كبير خصوصاً من أمراء الدين المتمكنين من إنكار المنكرات.

الثالث: أمره أن يحترز فيما يتفق له أن يقع فيه من ذلك بالنظر إلى ما يحضر من الطعام فما وجد فيه شبهة حرام ولم يتحقق حاله فليتركه، وما تيقن حله وطيب وجه اكتسابه ببراءة عن الشبهة فينال منه، وكنى عنه بالمقضم تحقيراً له وتقليلاً، ويفهم منه يحسب التأديب الأول أن التفزه عن هذا المباح أفضل له من تناوله.

الرابع: تبهه بعد ذلك بقوله: «ألا وإن..» إلى قوله: «علمه»: على أن له إماماً يجب أن يقتدي به، وهو تمثيل في قوة قياس كامل حذفت صغراه، فأصل التمثيل مطلق الإمام والمأموم، وعلته كونها إماماً ومأموماً، وفرعه هو (عليه السلام) وعامله، وحكمه وجوب الاقتداء، وتقدير القياس: أنك مأموم لإمام، وكل مأموم لإمام فيجب عليه أن يقتدي بإمامه، وينتج أنه يجب عليك أن تقتدي بإمامك ويستضيء بنور علمه.

الخامس: أردف ذلك بالبيئة على ما يجب أن يقتدي به فيه من حاله في دنياه وهو اكتفاؤه من ملبوسها بما يستر بدنه من طمريه، ومن مطعومها بما يسد به فورة جوعه من قرصيه غير ملتفت فيما لبسه إلى زينته فإن طمريه كانا عمامة ومدرعة قد استحيا من قارعها، ولا مكترث فيها طعمه بلدة ويب فإن قرصيه كانا من شعير غير منخول واحد بالغداة وواحد بالعشي.

السادس: نبّه أصحابه على أن رياضته تلك لا يستطاع لهم فإنها قوة مشروطة باستعداد لم يصلوا إليه. ثم أمرهم إذ كانت الحال كذلك أن يقصروا في معونته على أنفسهم ورياضته بالورع، وأراد به هنا الكف عن المحارم ثم الاجتهاد في الطاعة. ويحتمل أن يريد بالورع لزوم الأعمال الجميلة ثم الاجتهاد فيها.

السابع: نبّه بالقسم البار على ردّ ما عساه يعرض لبعض الأذهان الفاسدة في حقه (عليه السلام) أنّ زهده في الدنيا مشوب برياء وسمعة وأن وراءه محبتها وجمعها وادخارها خصوصاً وهو إمام الوقت وخليفة الأرض ، فعدد أنواع ما أفاء الله على المسلمين منها ثم أقسم أنه لم يأخذ منه إلا قوته، وشبهه في القلة والحقارة بقوت الأتان الدبرة وخصها لأن ضعفها بالدبر وشغلها بألمه يقلل قوتها.
ثمّ بالغ في وصف حقارة دنياهم عنده فأخبر أنها في نظره واعتباره أهون من عفصة مقرة، وظاهر أن من كان كذلك كيف يتصور محبته للدنيا وعمله لها.

الثامن: أنه لمّا قال فيها أقسم عليه من الدنيا: ولا حزت من أرضها شبراً استثنى من ذلك فدك، بقوله: (بلى قد كانت لنا فدك من كل ما أظلته السماء)([5]))([6]).

الهوامش:
([1]) ما بين القوسين: ليس في نهج البلاغة للعطار.
([2]) ما بين القوسين أثبتناه من نهج البلاغة لصبحي صالح.
([3]) نهج البلاغة الصبحي صالح: ٤١٦ - ٤١٧ من كتاب له عليه السلام إلى عثمان بن حنيف رقم ٤٥، ونهج الشيخ العطار: ٥٥٣ - ٥٥٤ / من كتاب له عليه السلام رقم ٤٥، وشرح نهج البلاغة لابن ميتم ٥: ١٨ -٩٩ من كتاب له عليه السلام الأرقم ٤٤ ونهج الشيخ محمد عبده ۲ ۷۲ - ۷۳ من كتاب له عليه السلام.
([4]) شرح الألفاظ الغريبة: 691-692.
([5]) شرح نهج البلاغة لابن ميثم 5: 103-104/ في شرح كتاب له عليه السلام كتبه إلى عثمان بن حنيف رقم 44.
([6]) لمزيد من الاطلاع ينظر: الدنيا في نهج الإمام علي عليه السلام: السيد عبد الحسين الغريفي، ط: مؤسسة علوم نهج البلاغة في العتبة الحسينية المقدسة: ص 381-385.

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.1012 Seconds