بقلم: د. زهراء حسين جعفر
الحمدُ لله الذي جعل الحمد مفتاحاً لذكره، وسببا للمزيد من فضله، ودليلا على آلائه وعظمته، وأشهد أنّ محمدًا عبده ورسوله، أرسله بالضياء، وقدمه في الاصطفاء، وجعله خاتم الأنبياء صلى الله عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين.
أما بعد:
ورد حديث الإمام عليّ (عليهِ السَّلام) مكاتباً بَعض بني أَسد عندما جيء بنقد إلى الكوفة فانتهى بِهِ الى الجسر، وأقبل مولى لبكر بن وَائِل يَتَخلَّل الْغنم ليقطعه، فنفرت نقدة فقطرت الرجل فِي الْفُرَات فغرق فارتفعا الى الإمامِ عَليّ([1])، فَقَالَ (عَليهِ السَّلام)): (انْطَلقُوا فإن عَرَفْتُمْ النَقَدة بِعَينهَا فادفعوها اليهم وان اخْتلطت عَلَيْكُم فادفعوا شرواها من الْغنم))([2]).
المفردة الغريبة التي وردت في حديثه (النَّقْدة) وأصلها في اللغة (نَقَد) بالتحريك وهي: صغَار الْغنم وَاحِدهَا نَقَدة.. ([3])، ويقال: الذّكر وَالْأُنْثَى فِي ذَلِك سَوَاء. وَالْجمع: نقد ونقاد، ونقادة...([4])، وقال ابن منظور: النَّقَد: السُّفَّل مِنَ النَّاسِ، وَقِيلَ: النَقَد، بِالتَّحْرِيكِ، جِنْس مِن الغَنَم قِصار الأرجُل قِباح الوُجوه تَكُونُ بالبَحرَينِ؛ يُقَالُ: هُوَ أَذَلُّ مِنَ النقَد..)) ([5]). وكذلك ورد في كتب غريب الحديث النَّقَد: صِغار الغَنَم، واحدتُها: نَقَدَة، وجَمْعُها: نِقَادٌ([6]).
سلك الإمام (عليه السلام) في النص مسلكا خاصا يعتمد على استعمال صيغ الأمر المعروفة في اللغة، والالتزام بها وتنفيذها من خلال معرفة النَقَدة بعينها لدفعها اليهم، وبيَّن كيفية التعامل إذا اخْتَلَطَتْ عليهِم النقد، كان ذلك سبب نفور النقدة. إن عرفوا النقدة بعينها، فيدفع لهم، وإن اختلطت عليهم، فيدفع شرواها من الغنم، أي: مثلها ([7]).
وَمِنْهُ حَدِيثُهُ الآخَر قَالَ يومَ النَّهْرَوَان: ((ارْمُوهُم، فَإِنَّمَا هُم نَقَدٌ)) ([8]). فقد شَبَّهُهم بالنَّقَد لصغر منزلتهم عنده (عليه السلام)، والتقدير (هم كالنَّقَد). ولم يختلف أصحاب غريب الحديث على أنَّ النَقَدَ: صِغار الغَنَم، واحدتُها: نَقَدَة، وجَمْعُها: نِقَادٌ. ومن العلاقات الدلالية بين الكلمات نلحظ النقد والزُّخة الفاظ مترادفة تدل على صغار الغنم)([9]).
الهوامش:
([1]) ينظر: غريب الحديث: ابن قتيبة: 2/ 130و1/366، والفائق في غريب الحديث: 4/20، واساس البلاغة: (نقد) 2/397 ، والمحكم والمحيط الأعظم: (نقد)6/317، والنهاية في غريب الحديث والأثر: 4/ 80، ولسان العرب: (نقد) 3/437، وتاج العروس: (نقد)3/231، ويرى أصحاب غريب الحديث معنى نَفَرَتْ، أي: تَبَاعَدَتْ، و(قَطَرَتْ الرجل) إِذَا صَرَعْتُهُ، وَضَرَبْتُ بِهِ الْأَرْضَ أَي: أَلقَيته فِي الْفُرَات. ( ينظر: الدلائل في غريب الحديث: 2/867، والفائق في غريب الحديث: 3/226، والنهاية في غريب الحديث والأثر: 4/80، 5/104).
([2]) غريب الحديث: ابن قتيبة: 2/130، الفائق في غريب الحديث: 4/20،النهاية في غريب الحديث والأثر: 4/80، وابن الجوزي لم ينسب الحديث الى الإمام (عليه السلام) واكتفى بذكر الحديث في كتابه غريب الحديث: 2/252، ورد في اللغة: (غَنَمٌ) لفظٌ للجَماعةِ، فإذا أفردْت قُلْتَ: شاةٌ، وَالغنم: يَقَعُ عَلَى الذُّكُورِ وَعَلَى الإِناث). ينظر: العين: (غنم)4/426، ولسان العرب: (غنم)12/445.
([3]) ينظر: غريب الحديث: ابن سلام: 1/161، وتهذيب اللغة: (نقد)9/50، ولسان العرب: (نقد) 3/437، وتاج العروس: (نقد) 9/231.
([4]) ينظر: المحكم والمحيط الأعظم: (نقد) 6/317.
([5]) لسان العرب: (نقد)3/437.
([6]) ينظر: غريب الحديث: ابن سلام: 1/161، وغريب الحديث: ابن قتيبة: 2/130-131، والفائق في غريب الحديث: 4/20، والنهاية في غريب الحديث والأثر: 4/80.
([7]) ينظر: غريب الحديث: ابن قتيبة: 2/130-131، والفائق في غريب الحديث: 4/20.
([8]) النهاية في غريب الحديث والأثر: 5/104.
([9]) لمزيد من الاطلاع ينظر: كلام الإمام علي عليه السلام في كتب غريب الحديث/دراسة في ضوء نظرية الحقول الدلالية، تأليف زهراء حسين جعفر، ط1، مؤسسة علوم نهج البلاغة في العتبة الحسينية المقدسة، ص252-253.