من كلام الإمام علي (عليه السلام) في كتب غريب الحديث الحقول الدالّة على الحيوان ومتعلقاته: 8- الوجر

مقالات وبحوث

من كلام الإمام علي (عليه السلام) في كتب غريب الحديث الحقول الدالّة على الحيوان ومتعلقاته: 8- الوجر

13 مشاهدة | تم اضافته بتاريخ 04-08-2026

بقلم: د. زهراء حسين جعفر

الحمدُ لله الذي جعل الحمد مفتاحاً لذكره، وسببا للمزيد من فضله، ودليلا على آلائه وعظمته، وأشهد أنّ محمدًا عبده ورسوله، أرسله بالضياء، وقدمه في الاصطفاء، وجعله خاتم الأنبياء صلى الله عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين.

أما بعد:

ورد في حديث الإمام عَلِيِّ بن أَبِي طَالِبٍ (عَلَيْهِ السَّلاَم) يَذُمُّ بَعْضُ أصْحَابِهِ حين قَامَ خَطِيبًا، فقَالَ: ((كُلَّمَا أَظَلَّتْ عَلَيْكُمْ سَرِيَّةٌ لِأَهْلِ الشَّامِ، أَغْلَقَ كُلُّ رَجُلٍ مِنْكُمْ بَابَهُ، وَانْجَحَرَ فِي بَيْتِهِ انْجِحَارَ الضَّبِّ فِي جُحْرِهِ، أَوِ الضَّبُعِ فِي وِجَارِهَا، الذَّلِيلُ وَالله مَنْ نَصَرْتُمُوهُ، وَمَنْ رَمَى وَالله بِكُمْ، فَقَدْ رَمَى...))([1]).  

المفردة الغريبة التي وردت في قوله (عليه السلام) (الوَجْر)، والوَجْر: كالكَهْف يكون فِي الجبَل، والوِجارُ، بالكسْر والفتْح: جُحْرُ الضَّبُعِ وَغَيرهَا، كالأَسد والذّئب والثّعلب وَنَحْو ذَلِك، والجمع: أوْجِرَةٌ ([2]).

يتضح من حديث الإمام (عليه السلام) أنَّ مأوى الأسد والضَّبة يسمى (الجحر) ومأوى الضبع يسمى (الوجار)، كما بَيَّنَهُ اصحاب غريب الحديث؛ ومنهم الزمخشري في قوله: ((...، وجبأ عَلَيْهِ الْأسود من جُحْره وجبأت عَلَيْهِ الضبع من وجارها))([3])، وكذا في قول ابن الأثير أنَّ لفظ(وجارها) تعني جحْرُها الّذي تأويه([4]).فقد أوقع التشبيه على الضبة مبالغة في وصفهم بالجبن والفرار. فهذه التشبيهات التي أوردها الإمام (عليه السلام)- منها: الضَّبُع في وِجارِها- من قبيل التشبيهات الغاية في الروعة والدقة التي تكشف النقاب عن طبيعة أهل الكوفة آنذاك، فالتاريخ يشير إلى مدى الضعف والوهن الذي ساد عسكر الإمام (عليه السلام) بعد موقعة صفين بفعل ما كانوا عليه من جهل وذل وهوان..... حقا كان الإمام (عليه السلام) يعيش حالة مذهلة من الألم والمعاناة والاحباط، وهذه قمة المظلومية التي شهدها الإمام (عليه السلام). فأشار (عليه السلام) إلى مدى ضعفهم وذلتهم فشبههم بهذه التشبيهات علهم يتعظون، ويصلحون أنفسهم، فقد شبههم بحماقة الضبة وجبنها كما هي معروفة بالحماقة إلى درجة أنها قد تضل حتى جحرها، وتتصف بانعدام العاطفة بحيث تأكل أحياناً صغارها، ومن الملفت للنظر أنه ((شبههم بأنثى الضباب الضبة مبالغة في وصفهم بالجبن والفرار، لأن الانثى أجبن وأذلّ من الذكر)) ([5]). والعرب تقول في الذّلّة إنَّهُ لأذلّ من عترة الضب. و(العترة): الشجرة تنبت عند جحر الضّبّ فتخرج الضّبة فتتمرّغ عليها([6]). كما شبههم بالضبع لحماقتهم وهذا من أروع صور التشبيه وهوما لم يذكر أداة التشبيه([7]))([8]).

الهوامش:
([1]) الدلائل في غريب الحديث: 2/751، وينظر: نهج البلاغة بشرح ابن أبي الحديد: 6/103، والنهاية في غريب الحديث: 5/156، ونفحات الولاية: 3/79.
([2]) ينظر: لسان العرب: (وجر)5/280، وتاج العروس: (وجر)14/350.
([3]) الفائق في غريب الحديث: 3/188، لم يذكر الزمخشري الحديث الذي نحن بصدده في اساس البلاغة واكتفى بذكر(الضّبع في وجارها): (وجر)2/32.
([4]) ينظر: النهاية في غريب الحديث والأثر: 5/156.
([5]) نفحات الولاية: 3/79، وينظر: نهج البلاغة بشرح ابن أبي الحديد: 6/103.
([6]) ينظر: غريب الحديث: الخطابي: 2/191.
([7]) ينظر: علوم البلاغة: أحمد مصطفى المراغي (ت 1371هـ): 233.
 ([8]) لمزيد من الاطلاع ينظر: كلام الإمام علي عليه السلام في كتب غريب الحديث/دراسة في ضوء نظرية الحقول الدلالية، تأليف زهراء حسين جعفر، ط1، مؤسسة علوم نهج البلاغة في العتبة الحسينية المقدسة، ص254-255.

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.1161 Seconds