بقلم: د. زهراء حسين جعفر
الحمدُ لله الذي جعل الحمد مفتاحاً لذكره، وسببا للمزيد من فضله، ودليلا على آلائه وعظمته، وأشهد أنّ محمدًا عبده ورسوله، أرسله بالضياء، وقدمه في الاصطفاء، وجعله خاتم الأنبياء صلى الله عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين.
أما بعد:
قال أمير المؤمنين عَلِيّ بن أبي طالب (عليه السلام): ((لَنَا حقٌّ إنْ نُعْطَهُ نأخُذْه، وَإِنْ نُمْنَعْه نَرْكَبْ أَعْجَاز الْإِبِلِ وَإِنْ طَال السُّرَى))([1]). التركيب الغريب الذي ورد في الحديث قوله (أعجاز الإبل). وردت لفظة (أعجاز) في الحديث اصلها (عجز)، قال الخليل: ((العجز: مؤخر الشيء، وجمعه أعجاز)) ([2]). وقال الراغب الأصفهاني: ((عجز الإنسان مؤخرة وبه شبه مؤخر غيره،.... والعجز أصله التأخُّر عن الشيء وحصوله عن عجز الأمر أي مؤخره...))([3])، والْعَجز مُؤخر الشَّيْء (يذكر وَيُؤَنث)، وأعجاز النّخل: أُصُولها،([4]) كما في قوله تعالى: {كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ}([5])، وأعجاز الأمُور: أواخرها، وَيُقَال ركب فِي الطّلب أعجاز الإبِل، أي: ركب الذل وَالْمَشَقَّة([6]).
قوله (عليه السلام) (..، وَإِنْ نمنعه نَركب أَعجَاز الإِبِلِ وَإِنْ طَال السُّرى). قال ابن قتيبة: ((يُرِيد ان مَنعه ركب مركب الضيم والذل على مشقة وإن تطاول ذَلِك بِهِ. وأصل هَذَا: ان رَاكب الْبَعِير اذا ركب بِغَيْر رَحل وَلَا وطاء ركب عَجزه وَلم يركب ظَهره من أجل السنام وَذَلِكَ مركب صَعب يشق على رَاكِبه وَلَا سِيمَا اذا تطاول بِهِ الرّكُوب على تِلْكَ الْحَال وَهُوَ يسري أَي: يسير لَيْلًا واذا رَكبه بالوطاء والرحل ركب الظّهْر وَذَلِكَ مركب يطمئن بِهِ وَلَا يشق عَلَيْهِ وَقد يجوز أَن يكون أَرَادَ بركوب اعجاز الإبل انه يكون ردفا تَابعا وَلَا يصبر على ذَلِك وان تطاول بِهِ)) ([7]).
ويتضح من قول الأزهري ضربَ (أعجازَ الْإِبِل) مثلا لتقدُّم غَيره عَلَيْهِ وتأخيره إِيَّاه عَن حقِّه، إِن قُدِّمنا للْإِمَامَة تقدّمنا، وَإِن مُنِعْنا حقَّنا مِنْهَا وأخِّرنا عَنْهَا صَبرنَا على الأثَرة علينا وَإِن طَالَتْ الْأَيَّام ([8])وما ذكره الأزهري إن كلام الإمام من أنه قدم غيره عليه وهو أحق بالتقدم ومما يؤكد ذلك كلام الإمام (عليه السلام) (لنا حقٌ إنْ نُعْطَهُ نأخذْه).
وقال الزمخشري: ((هَذَا مثل لركوبه الذل وَالْمَشَقَّة وَصَبره عَلَيْهِ وَإِن تطاول ذَلِك وَأَصله أَن الرَّاكِب إِذا اعرورى الْبَعِير ركب عَجزه من أصل السنام فَلَا يطمئن وَيحْتَمل الْمَشَقَّة))([9]). وبعدها ذهب الى معنى أدق يتضح من قوله بأنّه يجوز أن يريد ذلك وإنْ يُمنع يُبذل الجهد في طلبه؛ فِعْلَ مَنْ يضرب في ابتغاء طلبته أكبادَ الإبل، ولا يبالي باحتمالِ طول السُّرى.([10]) يلحظ أن تفسير الزمخشري دقيق فقد أصاب بقوله: (ولا يبالي باحتمالِ طول السُّرى) مقارنة بكلام الإمام الموجز (وإنْ طال السُّرى). وتفسير ابن الجوزي، وابن الأثير ان الرُّكُوبَ عَلَى أَعْجَاز الْإِبِلِ شَاقٌّ: أَيْ إِنْ مُنِعْنا حَقَّنا رَكبْنا مَرْكَب المشَقَّة صَابِرِينَ عَلَيْهَا وَإِنْ طَالَتِ الْأَيَّامُ([11])
ومنهم من عَبَّرَ عن ((قولهم هذا الأمر مما تركب له أعجاز الابل، أي مما يقاسي لأجله الذل،....))([12])، كما يقال: ((بنو فلان يركبون أعجاز الإبل إذا كانوا أذلاء أتباعاً لغيرهم أو يلقون المشاقّ لأن عجز البعير مركب شاق))([13]).
ومن الباحثين من يرى أنَّ حقوقهم المسلوبة منهم كثيرة، ولَعَلّه يومئ هنا الى حَقِّهم في الإمامة وذلك إذا كان هذا الكلام قد صدر منه يوم السقيفة. فَأمّا إذا كان هذا قَد تكلم به يوم الشُّورى كما يُذكر، فيكون الحَق الذي يذكره الإمام هو حقه في الخلافَة ([14])، ونقول: هذه الآراء وإن تقاربت بعضها وابتعدت بعضها عن البعض قليلا إلا أنَّ مضمون وفحوى كلامه (عليه السلام) إنَّه قدم الجار والمجرور للعلم بخصوص الأحقية، وَأَنَّهُ يَصْبِرُ عَلَى ذَلِكَ التأخر في حقه وَإِنْ طَالَ أمَدُه، كما يتضح من قول الرضي، وتبعه ابن الأثير: بأنَّه: ضَربُ أَعْجَاز الْإِبِلِ مَثلاً يُضْرَبُ لتأخُّرهِ عَنْ حَقِّهِ الَّذِي كَانَ يَرَاهُ لَهُ وتقدُم غَيْرِه عَلَيهِ، وَأنَّهُ يَصبِرُ عَلى ذَلِكَ وَإِنْ طَالَ أمَده؛ لِأنَّهُ سَلَّم وصَبَر عَلَى التأخّر وَلمْ يُقَاتل. وَإِنَّمَا قَاتَل بَعْدَ انعقادِ الإمامةِ لَهُ([15]))([16]).
الهوامش:
([1]) غريب الحديث: ابن قتيبة: 2/138-139، مقاييس اللغة: 2/397، الفائق في غريب الحديث: 2/397، غريب الحديث: ابن الجوزي: 2/72، النهاية في غريب الحديث والأثر: 3/185، نهج البلاغة بشرح ابن أبي الحديد: 1/195، لسان العرب: 5/371، مجمع البحرين: 4/24،3/124-125، بحار الأنوار: 29/600، تاج العروس: 15/212، وينظر: غريب الحديث في بحار الأنوار: 3/24.
([2]) العين: (عجز): 1/215.
([3]) المفردات في غريب القرآن: 1/419.
([4]) ينظر: المعجم الوسيط: (باب العين)2/585.، وقال الزمخشري: (عجز هِيَ المنطقة بلغَة أهل الْيمن كَأَنَّهَا سميت بذلك). الفائق في غريب الحديث: 2/397.
([5]) سورة الحاقة: 7.
([6]) ينظر: تهذيب اللغة: (عجز)1/220، ولسان العرب: (عجز)10/270، والقاموس المحيط: (عجز)1/516، والمعجم الوسيط: (باب العين)2/585.
([7]) غريب الحديث: 2/139.
([8]) ينظر: تهذيب اللغة: (عجز) 1/220.
([9]) الفائق في غريب الحدث: 2/397.
([10]) ينظر: م. ن: 2/397-398.
([11]) ينظر: غريب الحديث: 2/72، والنهاية في غريب الحديث: 3/185-186.
([12]) الكشكول: تح، محمد عبد الكريم النمري: 2/171.
([13]) مقاييس اللغة: (عجز)1/636.
([14]) ينظر: ألفاظ الحياة الاجتماعية في نهج البلاغة: حسام عدنان رحيم، اطروحة: 45.
([15]) ينظر: النهاية في غريب الحديث: 3/185-186، ولسان العرب: (عجز)10/270، وتاج العروس: (عجز)15/212.
([16]) لمزيد من الاطلاع ينظر: كلام الإمام علي عليه السلام في كتب غريب الحديث/دراسة في ضوء نظرية الحقول الدلالية، تأليف زهراء حسين جعفر، ط1، مؤسسة علوم نهج البلاغة في العتبة الحسينية المقدسة، ص265-267.