ألفاظ الأشجار والثمار والأزهار في نهج البلاغة: 19ـ النبْتٌ:

مقالات وبحوث

ألفاظ الأشجار والثمار والأزهار في نهج البلاغة: 19ـ النبْتٌ:

53 مشاهدة | تم اضافته بتاريخ 20-05-2026

بقلم: د. سحر ناجي المشهدي

الحمد لله الأول قبل الإنشاء، والآخر بعد فناء الأشياء، أحمده استتمامًا لنعمته، واستعصاماً من معصيته، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على من اصطفى من الخلق أجمعين سيدنا ونبينا محمد وآل الطاهرين..

اما بعد:
وردت هذا اللفظ في تسعة وعشرين موضعاً من النَّهْج، ليدل على:
1) المعنى الحقيقي: الإنبات للزِّرع.  جاء في قوله (عليه السَّلام) عن ذكر السَّماء والأرض:» وَأَنْشَأَ (السَّحَابَ الثِّقَالَ)، فَأَهْطَلَ دِيَمَهَا، وَعَدَّدَ قِسَمَهَا، فَبَلَّ الأرض بَعْدَ جُفُوفِهَا، وَأَخْرَجَ نَبْتَهَا بَعْدَ جُدُوبِهَا»([1]).  فقد ذكر نبت الارض بعد سقوط المطر لأن النبت ينمو ويخرج بعد سقوط المطر.

2) المعنى المجازي: أطلقه الإمام على النمو الحاصل في: العمل الصالح، العِلْمُ، اللَّحم، مكان نمو الإنسان، نمو المعادن، نمو قصب الطاووس. قال عليه السلام: «قَدِ اصْطَلَحْتُمْ عَلَى الْغِلِّ فِيَما بَيْنَكُمْ، وَنَبَتَ الْمرْعَى عَلَى دِمَنِكُمْ، وَتَصَافَيْتُمْ عَلى حُبِّ الاْمَالَ» ([2]).  ولما وصف كتاب الله بأوصاف الكمال تنبيها عبى وجوب اتباعه للاشارة الى الحق وهدايته الى مكارم الأخلاق أردفه بتوبيخ السامعين على ارتكاب الرذائل فأتفقوا على (الدمن)  وهو الحسد،  أو المزابل فأستعير للقلوب باكتنافها بالخباثة الباطنية وتضمنها الضغائن،  ونبت المرعى مثلاً ؛ لأنّ المقصود به الإشارة الى عدم الإنتفاع بذلك المرعى،  فيجرى مجرى المثل اشارة الى طول الزمان حتى صار بمنزلة الأرض الجامدة التي ينبت عليها النبات يضرب مثلاً للمتصالحين في الظاهر مع غل القلوب فيما بينهم،  ووجه المطابقة ان ذلك الصلح سريع الزوال لا أصل له كإسراع جفاف النبات في الدمن([3]).
قال الإمام (عليه السلام): « فَاعْلَمْ أَنَّ كُلَّ عَمَل نَبَاتٌ، وَكُلَّ نَبَات لاَ غِنَى بِهِ عَنِ الْمَاءِ»([4]) إستعار الامام لفظ النبات لزيادة الأعمال ونموها،  فشبه الإنسان وأعماله بالنبات،  ورشح تلك الاستعارة بذكر الماء،  وكنى به عن المادة القلبية للأعمال ووجه المشابهة ان الحركات في العبادة تكون بالميول القلبية والنيات،  كحركة النبات في النمو،  فتكون بالماء العذب حلوا وبالملح مالحا فاختلاف الطيب والملوحة تبعاً ؛ لإختلاف المياه،  فثمار الجنة ولذَّاتها بحسب طيب مادتها في الإخلاص لله، فالنبات لاغنى به عن الماء لسقيه ونموه،  والإنسان لا يستغني عن التربية والتعليم فالعاكف على التربية تظهر أعماله الصالحة،  وقيمة ثمر النبات تنشأ من:  البّذر الطَّيب،  الأرض الخصبة،  الماء الوفير([5]).
وهو الحشيش، والنًبات فِعل، ويُجرَى مُجْرَى اسمه» تقول: أنْبَتَ الله النًبات إنباتا ونباتا، ونحو ذلك» والرجل ينبت الحبً تنبيتا، اذا غرسه وزرعه.  والنٍبْتةُ: ضرب من فَعل النبات لكل شيء، تقول: إنه لحسَن النٍبْتةِ، والمَنْبِتُ: الأصل، والموضع الذي يَنْبُتُ فيه الشيء، وقول الله تعالى: ((والله أنْبَتَكم من الأرض نَباتا)) ([6]).

فـ» النون والباء والتاء أصل واحد يدل على نماء في مزروع، ثم يستعار.  فالنًبت معروف، يقال نَبَتَ.  وأنْبَتَتِ الأرض.  ونَبًتٌ الشًجَر: غَرستُه»([7]).
والنًباتُ.  كلُّ ما أنبتَ اللهُ في الأرض،  فهو نَبْتٌ،  والنبات فِعُلهُ،  يقال:  أنبتَ اللهُ النباتَ إنباتاً،  ونحو ذلك قال الفرَّاء:  إنَّ النبات اسم يقوم مقام المصَّدر([8]) قال تعالى {فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ إنَّ اللّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ}([9])،  وأراد به المجاز مريم (عليها السّلام)  ؛ لذلك قال (نباتاً)  ولم يقلْ (إنباتاً)  على القياس ؛ لأن الإنبات غير مراد في الآية،  وفي حديث الإمام علي (عليه السلام): « ان النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم)  قال لقوم من العرب:  أنتم أهل بيتٍ أو نبتٍ ؟ فقالوا: نحن أهل بيتٍ وأهل نبتٍ»؛ أي: نحن في الشَّرف نهاية، وفي النَّبت نهاية؛ فينبتُ المَّالُ على أيدينا؛ فاسلموا ([10]).
 فالنًبتُ والنبات ما يخرج من الأرض من الناميات سواء كان له ساق كالشَّجر او لم يكن له ساق كالنَّجم؛ لكن اختص في التعارف بما لا ساق له بل قد إختصَّ عند العامة بما يأكله الحيوان، وعلى هذا قال تعالى {لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا}([11]) فانه يستعمل في كلِّ نامٍ نباتاً كان أم حيواناً ام إنساناً([12]))([13]).

الهوامش:
([1]) نهج البلاغة: خ 185، 197.
([2]) نهج البلاغة: خ 133، 137.
([3]) ظ: منهاج البراعة: 8 / 282 وظ: شرح نهج البلاغة: البحراني: 3 / 151.
([4]) نهج البلاغة: خ 154، 153.
([5]) ظ: منهاج البراعة: 9 / 217 وظ: شرح نهج البلاغة: ناصر مكارم الشيرازي: 6 / 69.
([6]) ظ: العين (مادة نبت): 8 / 130.
([7]) مقاييس اللغة: 5 / 395.
([8]) ظ: لسان العرب (مادة نبت):  6 / 4317.
([9]) مريم / 136.
([10]) ظ: النهاية في غريب الحديث والأثر: 895.
([11]) النبأ / 15.
([12]) ظ: المفردات في غريب القران: 2 / 621.
([13])  لمزيد من الاطلاع ينظر: المعجم الاقتصادي في نهج البلاغة، للدكتورة سحر ناجي المشهدي، ط1، مؤسسة علوم نهج البلاغة في العتبة الحسينية المقدسة، ص 318-322.

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.0866 Seconds