بقلم: د. سحر ناجي المشهدي
الحمد لله الأول قبل الإنشاء، والآخر بعد فناء الأشياء، أحمده استتمامًا لنعمته، واستعصاماً من معصيته، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على من اصطفى من الخلق أجمعين سيدنا ونبينا محمد وآل الطاهرين..
اما بعد:
ورد هذا الجذر في النَّهْج مرتين([1])، ليدل على المعنى الحقيقي: بمعنى الطِّيب، الفَرح، والرِّضا، العيش النعيم. فجاء على زنة (فـَـعـِـلـِـين)، وذلك في صفة الماضين أو حال الناس بمجيء الإسلام: « فَأَصْبَحُوا فِي نِعْمَتِهَا غَرِقِينَ، وَفِي خُضْرَةِ عَيْشِهَا فَكِهِينَ، قَدْ تَرَبَّعَتِ الاْمُورُ بِهِمْ، فِي ظِلِّ سُلْطَان قَاهِر، وَآوَتْهُمُ الْحَالُ إِلَى كَنَفِ عِزّ غَالِب، وَتَعَطَّفَتِ الاْمُورُ عَلَيْهِمْ فِي ذُرَى مُلْك ثَابِت»([2])، وذهب ابن ابي الحديد الى كون عن متعلقة بمحذوف تقديره» فأصبحوا فاكهين فاكهة صادرة عن خضرة عيش النِّعمة سبب لصدور الفكاهة والمزاح، فيما عارضه الخوئي معللاً عدم الحاجة الى تقدير المحذوف لجواز تعلقها بقوله فاكهين بمعنى النشوية، فقد شبّه حياة الناس بمجيء الإسلام بالنِّعم التي فتحت أجنحتها لتضمّ الحنان والدفء، وشببه بالماء العذب الذي ينحدر نحو الحقول ؛ ليجعلها خضراء نضِّرة، فأصبحوا في سعة المعاش ناعمين مازحين من خضرة العيش([3]).، ويرجح البحث قول الخوئي.
وجاءت هذه اللفظة في كلام الإمام (عليه السّلام) مضافة الى ضمير الغيبة (الهاء)، وذلك في صفة عيسى (عليه السلام) لبيان زهده:» وَإِنْ شِئْتَ قُلْتُ فِي عِيسَى بْنِ مَرْيَمَ (عليه السلام)، فَلَقَدْ كَانَ يَتَوَسَّدُ الْحَجَرَ، وَيَلْبَسُ الْخَشِنَ، وَكَانَ إِدَامُهُ الْجُوعَ، وَسِرَاجُهُ بَاللَّيْلِ الْقَمَرَ، وَظِلاَلُهُ في الشِّتَاءِ مَشَارِقَ الأرض وَمَغَارِبَهَا، وَفَاكِهَتُهُ وَرَيْحَانُهُ مَا تُنْبِتُ الأرض لِلْبَهَائِمِ» ([4])، فالمسيح ظهر في نعيم بني اسرائيل، قصورهم فخمة، وأطعمتهم مختلفة تنقل إليهم الأطايب فأختار هذه الحياة؛ ليحذرهم من التكالب على الدُّنيا([5]).
وقد اختلف في معنى الفاكهة، فقال بعض العلماء: كلُّ شيءٍ قد سمي في القرآن من الثِّمار، نحو العنب، والرُّمان فإنا لا نسميه فاكهة، ولو حلف أن لا يأكل فاكهة وأكل عنبا، ورمانا لم يكن حانثا وقال آخرون: كل الثمار فاكهة، وانما كرر في القرآن، فقال عز وجل: ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾([6]) لتفضيل النَّخل والرمان على سائر الفواكه([7]).
الفاء والكاف والهاء أصل صحيح يدلُّ على طيبٍ وإستطابة. من ذلك الرجل الفَكِه: الطَّيب النفس. ومن الباب الفاكهة، لأنها تستطاب وتستطرف... فأما التـًفَكه في قوله تعالى ﴿فَظَلَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾([8])، فليس من هذا، وهو من باب الإبدال، وأصله تفَكًنون، وهو من التندم ([9]) والتفاكه: التمازح. وفاكهت القوم مفاكهة بملح الكلام والمزاح، والمفاكهة: الممازحة. وفي المثل: لا تفاكه أمـَه ولا ثـَبـُل على أكَمَه، والفاكهاني: الذي يبيع الفاكهة، وقوله تعالى: في شغل فاكهون» في صفة أهل الجنة بالألف، ويقرأ فكهون، بمنزلة حـّذرو ([10]))([11]).
الهوامش:
([1]) ظ: المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة: 1269.
([2]) نهج البلاغة: خ 192، 217.
([3]) ظ: منهاج البراعة: 11 / 330 ـ 339.
([4]) نهج البلاغة: خ 160، 161.
([5]) ظ: شرح نهج البلاغة: ناصر مكارم: 6 / 170.
([6]) الرحمن / 68.
([7]) ظ: العين (مادة فكه): 3 / 381.
([8]) ظ: مقاييس اللغة: 4 / 446 علما أن الآية الواردة هي سورة الواقعة / 65.
([9]) ظ: معاني القرآن: الزجاج: 5 / 114.
([10]) ظ: لسان العرب (مادة فكه): 5 / 3453 وظ: المفردات في غريب القرآن: 2 / 497.
([11]) لمزيد من الاطلاع ينظر: المعجم الاقتصادي في نهج البلاغة، للدكتورة سحر ناجي المشهدي، ط1، مؤسسة علوم نهج البلاغة في العتبة الحسينية المقدسة، ص 315-317.