فكر الإمام علي (عليه السلام) كما يبدو في نهج البلاغة أبرز خصائص النهج الأسلوبية د- التضمين في النهج وخصائصه

مقالات وبحوث

فكر الإمام علي (عليه السلام) كما يبدو في نهج البلاغة أبرز خصائص النهج الأسلوبية د- التضمين في النهج وخصائصه

36 مشاهدة | تم اضافته بتاريخ 16-06-2026

بقلم: د. جليل منصور العريَّض

الحمد لله على ما أنعم وله الشكر بما ألهم والثناء بما قدم والصلاة والسلام على خير خلقه أجمعين محمد وآله الطاهرين.

أما بعد:
التضمين هو استنجاد بمقولات معروفة لدى السامعين، مقبولة عندهم لبلاغتها وجمالها، أو لشيوعها فيهم، فهو بالتالي وسيلة للإقناع والتأثير، لذلك عول علي(عليه السلام) عليه في كثير من مأثوراته، ولكن بقدر الحاجة إليه كعنصر ذي أهمية في تفتيق المعاني ومنحها أبعادها التأثيرية أو التوضيحية. وقد أتاحت ثقافته الواسعة لتضميناته التنوع فأخذ الشعر بنصيبه الوافر منها، وتبوأ القرآن الكريم مكانة الصدارة، كما حظي المثل العربي بنصيبه أيضا.

وقد تميز التضمين، بكل أنواعه، في مواضعه التي ورد فيها بميزتين:
الأولى: الانسجام التام مع نسيج النص، بحيث لا يشعر السامع أو القارئ بأي إقحام أو أي تكلف في انسيابه ضمن السياق العام، سواء كان ذلك التضمين شعرا، كما في قوله لأصحابه ضمن سياق التمني «لوددت أن لي بكم ألف فارس من بني فراس بن غنم (وافر):

هنالك لو دعوت أتاك منهم                    فوارس مثل أرمية الحميم»([1])

فالبيت ملتحم تماما بسياقه التعبيري، منسجم مع معاني التمني، متمم لها.

أو كان مثلا عربيا مشهورا، كما في قوله متهكما من معاوية «أما بعد فقد أتاني كتابك تذكر فيه اصطفاء الله محمداً(صلى الله عليه وآله) وتأييده إياه بمَنْ مِن أصحابه، فلقد خبأ لنا الدهر منك عجبا، إذ طفقت تخبرنا ببلاء الله تعالى عندنا، ونعمته علينا في نبينا، فكنت في ذلك كناقل التمر إلى هجر»([2]). فالمثل العربي «كناقل التمر إلى هجر»([3]) باندماجه التام في السياق جاء بمثابة تفتيق واضاءة لمعاني الاستغراب والتهكم من معاوية لأخباره اياه ـ وهو ربيب الرسول ـ بمآثره(صلى الله عليه وآله) إياه في نشر الدين ومكانهم منه.

ويبلغ التضمين بآي الذكر الحكيم ذروته في الإحكام والسلاسة وأداء المعنى، كما في قوله بشأن موقفه من الخارجين عليه من الأمويين وأشياعهم من أهل الشام «فإن ترتفع عنا وعنهم محن البلوى، أحملهم من الحق على محضه، وأن تكن الأخرى {فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ الله عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ}([4])، فقد أحكم علي(عليه السلام)  تلاحم الآية الكريمة في السياق فأتت مندمجة فيه، ومكملة لفحوى أسلوب الشرط وما يرمي له من معاني التسليم بقضاء الله وقدره دون اسف أو ندم في حالة الإخفاق، شريطة التفاني في العمل والثبات على المبدأ حتى النهاية مهما كانت العاقبة.

الثانية: الثراء والتنوع في معاني التضمين: إذ لم يقتصر التضمين في نصوص نهج البلاغة على نواحي الاستشهاد وتعضيد المقولات الصادرة عن علي (عليه السلام)  لتوكيد صحتها، أو اجلاء الغموض عنها، بل ورد في سياقات ذات الأغراض المختلفة حاملاً في طياته معاني متنوعة، تدل على مقدرة فائقة على تطويع العبارات المضمّنة، للاستجابة لما يراد منها من معان وإيحاءات بادماجها بدقة متناهية في نسيج الفكرة، ممّا يتيح لها التعبير عن كل الأبعاد المعنوية والتأثيرية ضمنها، فتستحيل إلى تعبير ذي بعدين:

الأول: البعد الحقيقي لعبارة التضمين والكامن في معناها الذي وضعت له أصلاً.

الثانية: بعدها الجديد المتولد في دمجها في سياق جديد يتناسب وما تحمله من معان وتأثيرات.

ويمكن ملاحظة ذينك البعدين لمعنى التضمين في قول علي (عليه السلام) للخوارج بعد إعلان النتيجة التي تمخض عنها التحكيم «قد أمرتكم في هذه الحكومة أمري ونخلت لكم مخزون رأيي (لو كان يطاع لقصير أمر) فأبيتم علي اباء المخالفين الجفاة...»([5]). فقد ورد المثل العربي (لو كان يطاع لقصير امر) ضمن نسيج النص حاملا لمعناه الأصلي كمثل قديم مخصوص بحادثة معروفة تقال لمن لا يمتثل لنصح الناصح المجرب فيخفق، وبالإضافة إلى ذلك المعنى الأصلي فقد حمل في طياته ـ ضمن السياق الذي أورده فيه علي(عليه السلام) ـ معاني العتاب واللوم المقرونة بالحزن والأسى، وقد أضيفت تلك المعاني إلى المعنى الأصلي لصلاحيته لذلك، ومقدرة علي (عليه السلام) الفائقة على استغلال تلك الصلاحية بإدماج المثل في الموضع المناسب له. فتفاعل علي (عليه السلام) مع أساليب اللغة، وإحساسه في توجيه تعبيراتها جعل التضمين في النصوص المأثورة عنه يستجيب لكل غرض بلاغي يرمي إلى التعبير به عن فكره، فمن أغراض التضمين التي أثرت عنه:

ـ أغراض التضمين في مأثورات علي(عليه السلام):
التمثيل والتصوير: كما في قوله ضمن توبيخ أصحابه على تقاعسهم عن القيام بواجب الجهاد «...فجرجرتم جرجرة الجمل الأسر، وتثاقلتم تثاقل النضو الأدبر ثم خرج إلي منكم جنيد متذائب ضعيف {كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ}»([6])، فقد وردت الآية الكريمة ضمن السياق لتضفي على التشبيه فيه ابعادا مأساوية مؤلمة محزنة.

تبيان الحال: كما في قوله ضمن تصوره لصفات الملائكة «لا ينتحلون ما ظهر في الخلق من صنعه، ولا يدعون أنهم يخلقون شيئاً معه مما انفرد به، بل عباد مكرمون {لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ}»([7])، فالآية الكريمة ضمن السياق وصف لحال الملائكة تجاه الخالق سبحانه.

التذكير والتخويف ضمن الوعظ: كما ورد عنده ضمن حديثه عن الدنيا «اتعظوا فيها بالدين العمى، {مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً} حملوا إلى قبورهم فلا يدعون ركبانا، وانزلوا إلى الأجداث، فلا يدعون ضيفانا»([8]).

التحديد ورفع اللبس: من ذلك حديثه عن نفسه وآل بيته(عليهم السلام) «بنا يستعطى الهدى، ويستجلى العمى، ان (الأئمة من قريش) غرسوا في هذا البطن من بني هاشم، لا تصلح على سواهم، ولا تصلح الولاة من غيرهم»([9]) فقد أورد حديث الرسول(صلى الله عليه وآله) «الأئمة من قريش» ضمن السياق ليوضح من خلاله أن المعنيين بقريش في الحديث هو وآل بيته من دون غيرهم من عامة قريش.

التحضيض والتحبيب: كما في قوله ضمن وصيته لما ضربه ابن ملجم «إنْ أعف فالعفو لي قربة، وهو لكم حسنة، فاعفوا {أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ الله لَكُم}»([10]). فقد أورد الآية الكريمة ضمن السياق تحبيبا للعفو وحضا عليه.

الدعاء والتبتل: إذ تكثر الأدعية المتضمنة طلب رضا الخالق وعفوه والاعتماد على مننه وكرمه دون المخلوقين، وعادة ما يوظف علي(عليه السلام) كل طاقاته اللغوية المشحونة بالحب الصادق والإيمان المتين ضمن تلك الأدعية، مستنجدا بتضمينها بآيات قرآنية كما في قوله ضمن دعاء له كان يقوله كلما هم بلقاء العدو «اللهم إنا نشكو إليك غيبة نبينا، وكثرة عدونا، وتشتت أهوائنا {رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ}»([11])، فلقد وردت الآية الكريمة ضمن نسيج الدعاء لتنشر في جنباته مسحة من الإيمان فحواها الاستنجاد بالخالق في النزوع إلى الحق، وطلب معونته في سلوك جادته.

الإصرار على المبدأ والثبات عليه في كل الأحوال: من ذلك ما كتبه لأخيه عقيل بن أبي طالب ضمن رده على رسالة يخبره فيها بتمالي قريش على أفشال حكومته ويسأله عن موقفه منهم «ولا تحسبن ابن أبيك ـ ولو أسلمه الناس ـ متضرعا متخشعا لا مقرا للضيم واهنا، ولا سلس الزمام للقائد، ولا وطيء الظهر للراكب المتعقد، ولكنه كما قال أخو بني سليم: (طويل)

فإن تسأليني كيف أنت فإنني                 صبور على ريب الزمان صليب
يـــعز علــي أن ترى بي كــــآبة                 فيشمت عاد أو يساء حبيب»([12])

فقد ورد البيتان في السياق لتعضيد معاني الإصرار والثبات على المواقف في كل الأحوال.

البرهنة ضمن الجدل: من ذلك ما ذكره علي(عليه السلام) من آيات كريمة ضمن رده على كتاب ورد إليه من معاوية مدعيا فيه عدم احقية علي(عليه السلام) بالخلافة وانه يحاول ابتزاز المسلمين أمرهم «وكتاب الله يجمع لنا ما شد عنا وهو قوله سبحانه وتعالى {وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ الله} وقوله تعالى {إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَالله وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ} فنحن مرة أولى بالقرابة وتارة أولى بالحق والطاعة»([13])، فالآيتان الكريمتان قد وردتا في السياق للبرهنة على بطلان ما تضمنته رسالة معاوية من مزاعم في حقه.

السخرية والتندر: منه ما جاء ضمن رده على كتاب معاوية الذي قال فيه بتفضيل أبي بكر وعمر وعثمان على علي(عليه السلام)  «وما أنت والفاضل والمفضول والسائس والمسوس وما للطلقاء وأبناء الطلقاء والتمييز بين المهاجرين الأولين وترتيب درجاتهم وتعريف طبقاتهم، هيهات، (لقد حن قدح ليس منها)،»([14])، فالتضمين بالمثل العربي «لقد حن...» قد ورد ضمن تذكير معاوية بمنزلته في الإسلام كتعبير عن السخرية منه، لطرحه قضية هو غير مؤهل للخوض فيها، لأنه غريب عنها جاهل بحقيقتها.

بث الحماس وإشاعة الطمأنينة في نفوس المحاربين: كما ورد في قوله ضمن خطبة له في صفين «فصمداً صمداً حتى ينجلي لكم عمود الحق وأنتم الأعلون والله معكم ولن يتركم أعمالكم»([15])، فالتحام الآية الكريمة بالسياق قد منحه أبعادا عميقة من معاني الحماس الصادق المتفجر بقيم الإيمان لما تزخر به من معاني العز والأحقية والمؤازرة.

كما يرد التضمين عند علي (عليه السلام) محملا بمعاني التهديد والوعيد([16])، أو الندم جراء التفريط في الأمور المهمة([17])، أو لبيان أهمية الشيء وقيمته([18])، إلى غير ذلك من معان ثرة تجلوها المناسبة، فتجعلها ابدأ بينة ناصعة، لكونها موظفة توظيفا محكما في تعبيرات صادقة نابعة من تجربة واحدة بكل تفرعاتها الحياتية.

وقد أبرز ذلك الانسجام بين الفكر وبين الأساليب التعبيرية التي استوعبته خصائص فنية مميزة نعرض لأبرزها في الفصل التالي)([19]).

الهوامش:
([1]) خطب 25ـ فقرة 2. وبنو فراس بن ثعلبة بن مالك بن كنانة، حي مشهور بالشجاعة. راجع تاريخهم عند ابن أبي الحديد في شرحه للنهج 1/341 وما بعدها، والبيت لأبي جندب الهذلي، ورد ضمن ترجمته في الاغاني 21/247 وما بعدها. وارمية: جمع رمي وهو السحاب، والحميم في البيت، وقت الصيف، وانما خص الشاعر سحا ب الصيف بالذكر لأنه اشد اسراعا وارتحالا.
([2]) رسائل ـ 28ـ فقرة 1.
([3]) الميداني ـ مجمع الأمثال 3/39. وهجر مدينة على ساحل الخليج العربي مشهورة بالنخيل فناقل التمر إليها للاتجار به خاسر، وقد ورد المثل عند الميداني «كمستبضع التمر إلى هجر»
([4]) خطب ـ 163ـ فقرة 2. والآية من سورة فاطر /8.
([5]) خطب ـ35ـ فقرة 2. واصل المثل «لا يطاع لقصير امر» الميداني ـ مجمع الأمثال 3/198. وراجع قصة المثل عند الميداني أيضاً في:1/413 وما بعدها. فيما جاء حول المثل «خطب يسير في خطب كبير».
([6]) خطب ـ 39ـ فقرة 1. والجرجرة: صوت يصدره البعير من حنجرته تعبيرا عن الألم أو احتجاجا عند عسفه. والجمل الأسر: المصاب بداء السريرة، وهو وجع يأخذ البعير في مؤخؤة كركرته من دبره، أو قرح يكاد ينقب جوفه، والنضو المهزول من الابل، والادبر المصاب بالدبرة، قروح أو جروح في ظهر الجمل وسنامه. والآية من سورة الأنفال /6.
([7]) خطب 90ـ فقرة 5. ولا ينتحلون: أي لا يدعون باطلا، والآية من سورة الأنبياء/21.
([8]) خطب 110ـ الفقرة الأخيرة، والآية من سورة فصلت/ 15. ولا يدعون ركبانا: أي لا يقال لهم ركبان، جمع راكب، لأنهم أخذوا إلى قبورهم غير مختارين، والراكب عادة ما يكون مختارا. والأجداث: جمع جدث: القبور.
([9]) خطب ـ 144ـ فقرة 2. راجع مصدر الحديث الشريف في ص 177 من هذا البحث.
([10]) رسائل ـ23ـ فقرة2. وقربة: تقربا إلى الله، والآية من سورة النور /22.
([11]) رسائل ـ15ـ والآية من سورة الأعراف /89.
([12]) رسائل ـ36ـ فقرة 2. والبيتان منسوبان للعباس بن مرداس ـ شرح بن أبي الحديد 16/153 وراجع ترجمة العباس بن مرداس عند: ابن سعد ـ الطبقات الكبرى4/271، والشعر والشعراء لابن قتيبة 2/632، ترجمة رقم 177، والسلس ـ بفتح السين وكسر اللام ـ السهل. والوطيء: اللين. والمتقعد: الذي يتخذ ظهر الدابة مقعدا يستعمله في كل حاجة. والصليب: الشديد.
([13]) رسائل 28ـ فقرة 3. والآيتان على التوالي ـ الأنفال/ 75،آل عمران /68.
([14]) السابق ـ فقرة1. والمثل (حن قدح ليس منها) يضرب للرجل... يتمدح بما لا يوجد فيه ـ الميداني ـ مجمع الامثال 1/341، وحن: سمع له صوت، والقدح بكسر القاف المعجمة وسكون الدال المهملة: ـ السهم، وإذا كان السهم مختلف عن بقية السهام، كان له عند الرمي صوت يخالف أصواتها.
([15]) خطب 65ـ والآية من سورة محمد /35. ولن يتركم ـ بفتح الياء وكسر التاء وفتح الراء: لن ينقصكم شيئا من جزائها.
([16]) راجع خطب 70،وخطب90، فقرة2، وخطب 86 فقرة 3، 4.
([17]) المصدر السابق نفسه.
([18]) المصدر السابق نفسه.
([19]) لمزيد من الاطلاع ينظر: فكر الإمام علي عليه السلام كما يبدو في نهج البلاغة: للدكتور جليل منصور العريّض، ط: العتبة الحسينية المقدسة، مؤسسة علوم نهج البلاغة: ص 692-699.

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.1159 Seconds