من كلام الإمام علي (عليه السلام) في كتب غريب الحديث الحقل الدلالي للمركبات: 1- ينثالون علَيَّ/ قال عليه السلام (قد انْثالوا علَيَّ مِن كلّ جانب حتّى لقد وُطِئ الحَسَنانِ)

مقالات وبحوث

من كلام الإمام علي (عليه السلام) في كتب غريب الحديث الحقل الدلالي للمركبات: 1- ينثالون علَيَّ/ قال عليه السلام (قد انْثالوا علَيَّ مِن كلّ جانب حتّى لقد وُطِئ الحَسَنانِ)

90 مشاهدة | تم اضافته بتاريخ 02-09-2026

بقلم: د. زهراء حسين جعفر

الحمدُ لله الذي جعل الحمد مفتاحاً لذكره، وسببا للمزيد من فضله، ودليلا على آلائه وعظمته، وأشهد أنّ محمدًا عبده ورسوله، أرسله بالضياء، وقدمه في الاصطفاء، وجعله خاتم الأنبياء صلى الله عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين.

أما بعد:
ومن روائع كلام أمير المؤمنين (عليه السلام) قوله: ((قد انْثالوا علَيَّ مِن كلّ جانب حتّى لقد وُطِئ الحَسَنانِ))([1])، وفي نهج البلاغة أشار في خطبته إلى عصر خلافته ولا سيما أبان البيعة في قوله: ((فَما راعَنِي إِلاَّ وَالنّاسُ كَعُرْفِ الضَّبُعِ إِلَيَّ يَنْثالُونَ عَلَيَّ مِنْ كُلِّ جانِب حَتَّى لَقَدْ وُطِىَء الْحَسَنانِ)) ([2])،وذكر المجلسي قوله (عليه السلام): ((والناس إلي كعرف الضبع ينثالون))([3]).
التركيب الغريب الذي يلفت انظارنا في قوله (انْثالوا علَيَّ)، و(ينثالونَ علَيَّ)، فـ(انثالوا-وينثالون) من مادة (ثَوِلَ) مِنْ بَابِ تَعِبَ وفَرِحَ على وزن (فَعِلَ)، والثول في اللغة: جَماعة النَّحل حين تجتمع، وَلَا وَاحدَ لِشَيْءٍ مِن هَذَا مِن لَفْظِه، وتَثَوَّلتِ النَّحْلُ: اجْتَمَعَتْ والْتَفَّت ([4]).
قال الزمخشري وتبعه ابن الأثير: ((الثولة الْجَمَاعَة من الْقَوْم وَقد انثالوا عَلَيْهِ وتثوَّلوا أَي اجْتَمعُوا))([5]). والانثيال: تتابع الشيء يتلو بعضه بعضا كعرف الضبع([6])، كما يُقَال: انْثَالَ عَلَيْهِ جَمَاعَةٌ مِنَ النَّاسِ، وَانْكَالُوا وَانْهَالُوا: إِذَا أَتَوْهُ وَتَتَابَعُوا عَلَيْهِ، وَتَهَافَتُوا. وقوله (عليه السلام): (اليَّ يَنْثاَلوُن عليَّ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ) المراد من لفظة يَنْثَالون، أي: يتتابعون مزدحمين عليه، كما ((يُقَالُ فِي بَعْضِ الْكَلَامِ: مَا رَاعَنِي إِلَّا انْثِيَالُ النَّاسِ عَلَى فُلَانٍ، أَيْ: اجْتِمَاعُهُمْ إِلَيْهِ، وَإِقْبَالُهُمْ عَلَيْهِ))([7]) يوحي إلى جَوٍ مُنكَرٍ وَمُتلائِمٍ مَع الْإكْرَاهِ أكْثرَ من أنْ يَكُونَ دَلِيلاً عَلَى الأنْسِ وَالْطَلَبِ([8])، ومما يدل على ذلك قوله (عليه السلام) حينما اختير للخلافة فقال: ((دعوني والتمسوا غيري))([9]). وبهذا فقد استعمل الإمام التركيب للدلالة على اجتماع الناس عليه، والأصل كان استعماله على جماعة النحل. وهذا من باب التغير الدلالي بتوسيع المعنى. يتبين في ذلك انتقال الدلالة لعلاقة المشابهة عن طريق الاستعارة([10]))([11]).

الهوامش:
([1]) غريب الحديث في بحار الأنوار: 1/326-327.
([2]) نهج البلاغة بشرح ابن ابي الحديد: 1/200.
([3]) بحار الأنوار: 29/ 538.
([4]) ينظر: مقاييس اللغة: (ثول)1/396، والصحاح: (ثول)4/1649، واساس البلاغة: (ثول)79.
([5]) الفائق في غريب الحديث: 4/94، وينظر: النهاية في غريب الحديث والأثر: 1/230.
([6]) ينظر: غريب الحديث: الخطابي: 2/233، ومجمع البحرين: 4/369.
([7]) الدلائل في غريب الحديث: 1/391.
([8]) ينظر: غريب الحديث: ابن سلام: 3/436، الفائق في غريب الحديث: 3/373، النهاية في     غريب الحديث والأثر: 2/392، غريب الحديث في بحار الأنوار: 3/365.
([9]) نهج البلاغة بشرح ابن ابي الحديد: 1/169.
([10]) ينظر: علم الدلالة: د. فريد عوض حيدر: 79.
([11]) لمزيد من الاطلاع ينظر: كلام الإمام علي عليه السلام في كتب غريب الحديث/دراسة في ضوء نظرية الحقول الدلالية، تأليف زهراء حسين جعفر، ط1، مؤسسة علوم نهج البلاغة في العتبة الحسينية المقدسة، ص258-259.

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.1021 Seconds