بقلم: د. سحر ناجي المشهدي
الحمد لله الأول قبل الإنشاء، والآخر بعد فناء الأشياء، أحمده استتمامًا لنعمته، واستعصاماً من معصيته، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على من اصطفى من الخلق أجمعين سيدنا ونبينا محمد وآل الطاهرين..
اما بعد:
ورد هذا اللفظ أربع مرات في النَّهْج، دالاً على المعنى المجازي بوصفه الحرب والظلم فيصف طعم المرورة فيها، ويشبهه بالعلقم فيستعيره للمشابهة بينهما في المرارة الحسية والعقلية، وتمثل في قوله (عليه السلام): » وَصَبَرْتُ مِنْ كَظْمِ الغَيْظِ عَلى أَمَرَّ مِنَ العَلْقَمِ، وَآلَمَ لِلْقَلْبِ مِنْ خَزِّ الشِّفَارِ»([1]) تشبيها لمرارة الظلم.
وجاء على زنة (أمـَرً) فقال في دولة بني أمية: « وَسَيَنْتَقِمُ اللهُ مِمَّنْ ظَلَمَ، مَأْكَلاً بِمَأْكَل، وَمَشْرَباً بِمَشْرَب، مِنْ مَطَاعِمِ الْعَلْقَمِ، وَمَشَارِبِ الصَّبِر وَالْمَقِرِ، وَلِبَاسِ شِعَارِ الْخَوْفِ، وَدِثَارِ السَّيْفِ»([2]).
وقد استعمل الامام اسلوب المساواة (مأكلاً = مأكل) (مشرباً = مشرب) وكلاهما على زنة (مـَفْعـَل) وهو اسم مكان، ومطاعم العلقم: الأشجار التي طعمها مر، فالمأكل هو العلقم والمشرب هو الصبر، فكظ الغيظ كطعم العلقم. وجملة: سيبدل الله مآكلهم اللذيذة الشهية بماكل مريرة علقمية، فـ(مأكلا منصوبا بفعل تقديره: يأكلون مأكلا، ويشربون مشربا، والباء هنا للمجازاة الدَّالة على الصلة.
وجاء منكرا في قوله مشيراً الى الملاحم: «حَتَّى تَقُومَ الْحَرْبُ بِكُمْ عَلَى سَاق، بَادِياً نَوَاجِذُهَا، ممْلُوءَةً أَخْلاَفُهَا، حُلْواً رَضَاعُهَا، عَلْقَماً عَاقِبَتُهَا»([3]).
استعارة تمثيلية، اذ صور الحرب وهم يشتاقون اليها املين نفعها لكنهم غافلون عاقبتها، كالنوق القوية التي لم يرد ذكرها بل اكتفى بذكر لوازمها وهي الفاغرة افواهها، وفي ضروعها لبن غزير شهي ولكن في شربه هلاك([4])، ووجه الإستعارة بأوصاف الدابة والنوق ؛ لمرارة الحرب وشدة وقعها وطول مدة لبثها.
والعلقم: نبت فيه مرارة عظيمة، وعاقبتها مرفوعة على الابتداء وهو خبرها، واراد أن عاقبة الحرب وخيمة. وهو شجر الحَنْظَلِ، والقطعة منه عَلْقَمَة([5]).
وكلٌ مُرٍ عَلْقَم، وقيل: هو الحَنْظَلٌ بعينه، أعني ثمرته، والواحدة منها عَلْقَمَة، ويقال لكل شيء فيه مرارة شديدة: كأنه العَلْقَم، وشجَّر الحَنْظَلِ، والقطعة منه عَلْقَمَة([6]))([7]).
الهوامش:
([1]) نهج البلاغة: خ 26، 3 وخ 217، 245.
([2]) خ 158، 159.
([3]) خ 138، 139.
([4]) ظ: بلاغة الامام علي: 113.
([5]) ظ: الديباج الوضي: 3 / 1284.
([6]) ظ: العين (مادة علقم): 2 / 126، وظ: لسان العرب (مادة علقم): 4 / 3077.
([7]) لمزيد من الاطلاع ينظر: المعجم الاقتصادي في نهج البلاغة، للدكتورة سحر ناجي المشهدي، ط1، مؤسسة علوم نهج البلاغة في العتبة الحسينية المقدسة، ص 312-313.