من دلالة الأفعال في الخطبة المونقة للإمام علي عليه السلام دلالة الفعل ((تُنْضِيْهِ)) في قوله عليه السلام: «فَكَمْ مِنْ زَفْرَةٍ تُضْنِيْهِ، وَحَسْرَةٍ تًنْضِيْهِ»

أثر نهج البلاغة في اللغة والادب

من دلالة الأفعال في الخطبة المونقة للإمام علي عليه السلام دلالة الفعل ((تُنْضِيْهِ)) في قوله عليه السلام: «فَكَمْ مِنْ زَفْرَةٍ تُضْنِيْهِ، وَحَسْرَةٍ تًنْضِيْهِ»

64 مشاهدة | تم اضافته بتاريخ 09-08-2026

بقلم: الدكتور مصطفى كاظم شغيدل

الحمد لله الذي صدقنا وعده هي مقالة المتقين، وصلى الله على خير خلقه أجمعين محمد وآله الطيبين الطاهرين.

وبعد:
امتازت الخطبة المونقة لأمير المؤمنين عليه السلام والتي تسمى أيضا بـ(الخطبة الخالية من الألف) بكثرة الأفعال فيها، إذ وصلت إلى (170) فعل، فضلاً عما جاء مكرراً وبصيغة مختلفة؛ وهذه الخطبة مع أنها قيلت في موضع التندر لخلوها من الألف، غير أنها لم تكن خالية من الفكر بمختلف أبعاده، وهو على النحو الآتي:

تُنْضِيْهِ
تدلُّ مادَّة (تنضيه) في اللُّغة على الذَّهاب، والخلاق، والبِلَى، والهُزال. قال الجوهريّ: «النِضْوُ بالكسر: البعير المهزول. والنَّاقة نِضْوةٌ، وقد أَنضَتها الأَسفار؛ فهي مُنْضَاةٌ. وأَنْضَى فلانٌ بعيرَه، أَيْ: هَزَلَهُ، وتَنضَّاهُ أَيضاً... وأَنْضَيْتُ الرَّجل، أَيْ: أَعطيتَه بعيراً مهزولاً... والنِّضْوُ: الثــَّوب الخَلِق. وأَنْضْيتُ الثــَّوبَ وانتَضَيتُهُ، أَخلقتُهُ وأَبليتُه»([1]).
وقال ابن سيده: «... لام النَّضي واو؛ لأَنــَّه لِمَا عُدِمَ من النَّصل والرِّيش، وكأَنــَّه نضى ذلك، فهو من نضوت الشَّيء، إذا أَخرجتُه، وبذلك سُمِّي المهزول نَضْواً؛ لأَنــَّه جُرِّد من لحمه»([2]).
وقال ابن منظور: «والنَّضْوُ: الثــَّوب الخَلِق... ونَضَا الخِضَابُ نَضْواً ونُضُوّاً: ذهب لونه... ونُضاوةُ الحِنَّاء: ما يبس منه فأُلقي... ما يؤخذ من الخضاب بعدما يُذهب لونه في اليد والشَّعر... والنِّضو بالكسر: البعير المهزول، وقيل: هو المهزول من جميع الدَّوابِّ... وقد يستعمل في الإنسان... وأَنْضَى الرَّجُل إذا كانت إبله أَنْضَاء... المُنْضِي... الرَّجل الذي صار بعيرهُ نِضْواً... ذكر النَّصل بعد النَّضيِّ، قالوا سُمِّي نِضّاً لكثرة البَري والتَّحت»([3]).
وبهذا المعنى أَورد أَمير المؤمنين (عليه السلام)  هذا الفعل (تنضيه) مرَّةً واحدة في الخطبة في بيان ما يحصل لذلك الإنسان، الَّذي انصرف لفصلٍ عند رب قدير، بعبده خبير بصير، إذ قال (عليه السلام): «فَكَمْ مِنْ زَفْرَةٍ تُضْنِيْهِ، وَحَسْرَةٍ تًنْضِيْهِ».
ولبيان معنى (حسرة) الَّتي جاء بها أَمير المؤمنين (عليه السلام)  مع الفعل (تنضيه) في الخطبة أَقول: جاء في (جمهرة اللُّغة): «وحَسِرَ الرَّجلُ يَحسَرُ حَسْرَةً وحَسَراً، إذ كَمِدَ على الشَّيء الفائت وتلهَّف عليه، وحَسِرت النَّاقة حسوراً، إذ أَعْيَتْ، وأَحسرتُها أَنا إحساراً، إذا أَتعبتها»([4]).
فالحسرة أَشدُّ النَّدم حتَّى يبقى النَّادم كالحسير من الدَّوابِّ الَّذي لا منفعة فيه([5]).
والحسرةُ الغمُّ على ما فات والنَّدم عليه، كأَنَّ قُوى الإنسان تنحسر من فرط الغمِّ، أَو يدركها إعياء من تدارك ما فرط منه([6]).
والحَسَرةُ: النَّدم، حَسِرَ يَحْسَرُ حَسْرَةً وحَسَراً، وحُسِرَ فهو محسور([7]).
وببيان معنى (الحسرة) تبدو العلاقة بين الفعل (تنضيه) و(حسرة)؛ وقد أَحسن أَمير المؤمنين (عليه السلام)  حين قرن الفعل (تنضيه) بقوله (حسرة)؛ لما بينهما من علاقة معنويَّة؛ فـ(تنضيه) يدلُّ على الذَّهاب، والخلاق، والبلى، والهزال، وما ذلك إلاَّ بـ(الحسرة)، وهي الغمُّ على ما فات، والنَّدم عليه، فكأَنَّ قُوى الإنسان تنحسر من فرط الغمِّ، أَو يدركها إعياء مِنْ تدارك ما فرط منه، ومنه يتبيَّن لنا دقَّة أَمير المؤمنين (عليه السلام)، ولطافته في استعماله اللَّفظة مع اللَّفظة، كما هي الحال في قوله (عليه السلام): «زفرة تضنيه».
و(وحسرة) الواو: حرف عطف، و(حسرة) معطوف على قوله (زفرة) اسم مجرور، وعلامة جرِّه الكسرة الظَّاهرة على آخره، و(تنضيه) فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه الضَّمَّة المقدَّرة على الياء؛ منع من ظهورها الثــِّقل، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو، عائد على (حسرة)، والهاء ضمير متَّصل مبنيٌّ على الكسر في محلِّ نصب مفعول به، عائد إلى (من جذبت نفسه))([8]).

الهوامش:
([1]). الصحاح في اللغة: 2/215.
([2]). المخصص: 1/478.
([3]). لسان العرب: 15/329. وينظر: تاج العروس: 1/8627 و8628.
([4]). جمهرة اللغة: 1/197. وينظر: معجم مقاييس اللغة: 2/48 و49، ولسان العرب: 4/187، والقاموس المحيط: 1/385، وتاج العروس: 1/3687.
([5]). ينظر: تهذيب اللغة: 2/82.
([6]). ينظر:/مفردات ألفاظ القرآن: 235.
([7]). ينظر: المحيط في اللغة: 1/197.
([8])لمزيد من الاطلاع ينظر: الأفعال في الخطبة المونقة للإمام علي عليه السلام بين الدلالة المعجمية والاستعمال الوظيفي: للدكتور مصطفى كاظم شغيدل، ط1، مؤسسة علوم نهج البلاغة في العتبة الحسينية المقدسة، ص273-276.

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.1118 Seconds