ألفاظُ الطَّعام والغذاء وما يتعلقُّ بها في نهجِ البلاغةِ: 3ـ الطَّعام

أثر نهج البلاغة في اللغة والادب

ألفاظُ الطَّعام والغذاء وما يتعلقُّ بها في نهجِ البلاغةِ: 3ـ الطَّعام

19 مشاهدة | تم اضافته بتاريخ 09-09-2026

بقلم: د. سحر ناجي المشهدي

الحمد لله الأول قبل الإنشاء، والآخر بعد فناء الأشياء، أحمده استتمامًا لنعمته، واستعصاماً من معصيته، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على من اصطفى من الخلق أجمعين سيدنا ونبينا محمد وآل الطاهرين..

اما بعد:
ورد هذا اللفظ في ثمانية عشر موضعا من النَّهْج ودلَّ على معنيين: 
1) المعنى الحقيقي:  مايدل على الطعام الحقيقي المتعارف عليه،  فقد جاء في أغلب خطب الإمام،  اذ ورد في وصف الدنيا: « قَدْ دَرَسَتْ أعْلامُ الْهُدَى،  وَظَهَرَتْ أَعْلاَمُ الرِّدَى،  فَهِيَ مُتَجَهِّمَةٌ لأهلهَا،  عَابِسَةٌ فِي وَجْهِ طَالِبِهَا،  ثَمَرُهَا الْفِتْنَةُ، وَطَعَامُهَا الْجِيفَةُ،  وَشِعَارُهَا الْخَوْفُ، وَدِثَارُهَا السَّيْفُ» ([1])،  ومراده التذكير والموعظة والتنبيه عن نوم الغفلة والتحذير من الفتنة والغرور،  فشبَّه طعام الدُّنيا بالجيفة ؛ لاحتمالان يمكن أن يردا في معنى الجيفة (الميتة والحيوان غير المزّكى مما كان العرب يأكلها،  ويمكن أن يكون الجيف العام (المطلق)  ما لا يحل في الشريعة من الخبائث والميتات أو الأموال المغصوبة المأخوذة بالنَّهب والغَارة والسَّرقة([2]).

وجاء المصدر (طعام) على زنة (فَعال) في كتابه الى عثمان بن حنيف قائلاً: «أَمَّا بَعْدُ، يَابْنَ حُنَيْف، فَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ رَجُلاً مِنْ فِتْيَةِ أهل الْبَصْرَةِ دَعَاكَ إلى مَأْدُبَة، فَأَسْرَعْتَ إِلَيْهَا، تُسْتَطَابُ لَكَ الاْلْوَانُ، وَتُنْقَلُ إِلَيْكَ الْجِفَانُ، وَمَا ظَنَنْتُ أَنَّكَ تُجِيبُ إِلى طَعَامِ قَوْم، عَائِلُهُم مَجْفُوٌّ»([3])

   وفي هذه المأدبة أنواع من الطَّعام اللذيذ، وجملة (تجيب طعام قومٍ) مفعول ثان لقوله (ظننت)، (عائلهم مجفو) مبتدأ وخبر حال عن (القوم)، وفي هذا الكتاب توبيخ في بالغ الذَّم؛ لأنه أجاب دعوة قوم من البصرة موالين لمعاوية في مأدبة أعدَّت للغافلين المنهمكين في اللذّات المادّية لكسب الشهرة والاستمتاع بالأغذية اللذيذة، فظاهر الكتاب توبيخ وذم، وباطنه بيان لإظهار العداوة لسياسة الغمام من قبل المخالفين له([4])، 
 وفي الكتاب نفسه جاء جمع القلة (أطْعِمَة) مُعرَّفا بـ(ال) لبيان زهده في الدُّنيا قائلاً: «وَلكِنْ هَيْهَاتَ أَنْ يَغْلِبَنِي هَوَايَ، وَيَقُودَنِي جَشَعِي إِلَى تَخَيُّرِ الاْطْعِمَةِ»([5]).  وقد تجنب الإمام (عليه السّلام) الأكل الطيب الهانىء واكتفى بقرصين جافين. 

1) المعنى المجازي: ما يعني آلام الدُّنيا، وهمومها، فورد مرة واحدة على صيغة الفعل الماضي(استفعل) التي تدلُّ على الطلب، متصلا بالضمير(كم)، وذلك في خطابه عند غلبة اصحاب معاوية لأصحابه: قَدِ اسْتَطْعَمُوكُمُ الْقِتَالَ، فَأَقِرُّوا عَلَى مَذَلَّة، وَتَأْخِيرِ مَحَلَّة، أَوْ رَوُّوا السُّيُوفَ مِنَ الدِّمَاءِ تَرْوَوْا مِنَ الْمَاءِ» ([6]).

  فقد استعار لفظ الإستطعام؛ لتحرشهم بالقتال ومنعهم الماء ووجه الاستعارة: استمهالهم للقتال وطلبهم له بمنع الماء، وهو اقوى جذباً للقتال من طلب المأكول، وبحيازتهم الماء، أشبهوا من طلب الطَّعام له، فطلبهم للقتال فتعين ان يشبه ما طلبوا إطعامه([7]).
والطًعْمُ: الأكل وهو حَسِن المَطعم، كما تقول: حَسَن المَلبس، أي: طَعَامه طَيِّب، ولباسه جميل. والطًعام: اسمٌ جامعٌ لكلِّ ما يُؤكل وكذلك الشَّراب لكلِ ما يُشْرَب، وهو البُرٌ خاصة ([8]).
قال ابن فارس: «الطاء والعين والميم اصل مطرد منقاس في تذوق الشيء.  يقال طَعِمْت الشيء طَعْما.  والطًعَّام هو المأكول، والإطعام يقع في كل ما يطعم حتى الماء»([9]).

قال الحطيئة في هجاء الزبرقان بن بدر:
دَعِ المـَكارمَ لا ترحَلْ لبُغْيَتهِا                                 واقعُدْ فإنـّك أنْت الطًاعُم الكاسِي([10])

وقال اللغويون إنَّ اسم الفاعل (الطَّاعِم)، (الكاسي) بمعنى اسم المفعول (المطعوم والمكسي).
قال تعالى {أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَّكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِيَ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ}([11]))([12]).

الهوامش:
([1])نهج البلاغة: ك 45، 311.
([2]) ظ: منهاج البراعة: 20 / 86   وظ: شرح نهج البلاغة: البحراني: 5 / 103.
([3]) ك 45، 312.
([4]) ذكر شارح النَّهْج ابن ابي الحديد في شرحه: 16 / 227 وراية النصب (أقراصك) والنهي موجه لعثمان بن حنيف لفظا ومعنى، ويذهب البحث الى ترجيح ورواية الرفع؛ لكونها أقوى وأبلغ على كونها هي الفاعل.
([5]) نهج البلاغة: ك 45، 213.
([6]) نهج البلاغة: خ 51، 48.
([7]) ظ: شرح نهج البلاغة: البحراني: 1 / 136.
([8]) ظ: العين (مادة طعم): 2 / 25.
([9]) مقاييس اللغة: 3 / 411.
([10]) ظ: ديوانه: 248.
([11]) المائدة / 96.
([12])  لمزيد من الاطلاع ينظر: المعجم الاقتصادي في نهج البلاغة، للدكتورة سحر ناجي المشهدي، ط1، مؤسسة علوم نهج البلاغة في العتبة الحسينية المقدسة، ص 338-342.

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.1274 Seconds