بقلم: د. جليل منصور العريَّض
الحمد لله على ما أنعم وله الشكر بما ألهم والثناء بما قدم والصلاة والسلام على خير خلقه أجمعين محمد وآله الطاهرين.
أما بعد:
تكاد كتب البلاغة العربية تفتقر إلى تعريف بلاغي للحال، كما ان التعريف النحوي لا يفي بالغرض في مجال دراستنا، لكونه توظيفا للوضع التركيبي، ولكن بالإمكان استعارة التعريف الصوفي القائل بأن الحال «تركيب طبيعي معين فعال، هو باطن في مقابل القول»([1]). إذ يمكننا تعريفه أدبيا على انه تصوير لانفعالات داخلية، يمكن للأديب الفذ تجسيدها بالكلمة، ولما كانت جل نصوص نهج البلاغة تعالج جوانب إنسانية مختلفة لقد منحت الأحوال والجمل الحالية سياقاتها أبعادا تأثيرية عميقة، مما اتاح لها ان تتبوأ مكانة بارزة في تلك النصوص، وفي باب الخطب والمواعظ خاصة، فقد تمكنا من إحصاء ما يقارب من مئة واحد عشر حالا وجملة حالية في ستة وثلاثين نصا من باب الخطب([2])، وقد حوى احد هذه النصوص ـ وهو طويل نسبيا ـ ما يقارب من أربعة وأربعين حالا وجملة حالية([3])، ونعتقد ان النزوع لأساليب الحال بمثل هذه الكثرة يتناسب وموضوعات الخطب التي تعبر ـ بجانب مضامينها الفكرية ـ عن حالات نفسية مختلفة من خوف وسرور وتردد وحزن ونكوص وتكبر وتواضع وهلع. ففي قول علي(عليه السلام) «عباد الله، الإن فاعلموا، والألسن مطلقة، والأبدان صحيحة، والأعضاء لدنة، والمنقلب فسيح، والمجال عريض»([4]) خمس جمل حالية، معطوفة على بعضها البعض بالواو، مما يعني المشاركة فيما بينها في معنى الإمكان وانتهاز الفرصة للعمل، وقد عمد الوعظ فيها على الإيحاءات النفسية الكامنة في تلك الآنية، التي قد لا يتمكن الإنسان من انتهازها حالة فواتها، فطلاقة الألسن، وصحة الأبدان، ولدانة الأعضاء، وسنوح الفرصة كلها حالات مرتبطة بحياة الإنسان الدنيوية المقترنة بزمن معين ومحدد، مما يقتضي العمل الكامن في علاقة الإنسان بربه من ناحية، وعلاقته بالآخرين من حوله من ناحية أخرى. والعلاقات تلك قبل ان يمارسها الإنسان ممارسة عملية هي في حقيقتها مستكنه في ذاته، نابعة منها، وذلك ما تتمخض به الجمل الحالية من معان في تتابعها.
وقد يعد النحويون أن الأحوال مؤكدة في قول علي(عليه السلام) «والله لأن أبيت على حسك السعدان مسهدا، وأجر في الأغلال مصعدا، احب الي من ان القي الله ورسوله(صلى الله عليه وآله) ويوم القيامة ظالما لبعض العباد»([5])، لأنها تنطوي على معاني الالتزام، ولكن تأثيرها في سياق العبارة لا ينبع من توكيدها بقدر ما تنطوي عليه من شحنات نفسية متدفقة من أعماقه لتجسد صراعه مع الذات في سبيل المبدأ، فانسياب الأحوال والجمل الحالية في نهج البلاغة كمظهر عام من مظاهر أساليبه يعني ضمنا انتشار العناصر النفسية في جانب كبير من تلك النصوص الموجهة فكريا للوعظ والإرشاد والاستنهاض ومقاومة الظلم، والحض على الخضوع لله وحده من دون غيره من المخلوقات، لذلك كثرت الأحوال في الخطب، وقلت في باب الرسائل والعهود بسبب غلبة الجانب العقلي على معظم أساليبها ([6]).
الهوامش:
([1]) المعجم الصوفي ـ334.
([2]) راجع ـ1ـ فقرة: 2، 5، 6، 7، 8. وخطب ـ2ـ فقرة 1.
([3]) راجع الخطبة 82 ويمكنك استخراج أكثر مما استخرجنا منها من جمل حالية.
([4]) خطب ـ 190ـ فقرة 2.
([5]) خطب ـ 221. وحسك السعدان: شوك السعدان، والسعدان: نبت ترعاه الابل له شوك. والمسهد ـ السهران.
([6]) لمزيد من الاطلاع ينظر: فكر الإمام علي عليه السلام كما يبدو في نهج البلاغة: للدكتور جليل منصور العريّض، ط: العتبة الحسينية المقدسة، مؤسسة علوم نهج البلاغة: ص 684-686.