من ألفاظ الحياة الاجتماعية في نهج البلاغة الهوامل والسَّروح من الإبل: 2- سَائم قال (عليه السلام): ((كَأَنَّكُمْ نَعَمٌ أَرَاحَ بِهَا سَائِمٌ إلَى مَرْعىً وبيّءٍ))

أثر نهج البلاغة في اللغة والادب

من ألفاظ الحياة الاجتماعية في نهج البلاغة الهوامل والسَّروح من الإبل: 2- سَائم قال (عليه السلام): ((كَأَنَّكُمْ نَعَمٌ أَرَاحَ بِهَا سَائِمٌ إلَى مَرْعىً وبيّءٍ))

26 مشاهدة | تم اضافته بتاريخ 03-03-2026

بقلم: د. حسام عدنان الياسري.

الحمد لله الذي علا بحوله، ودنا بطوله، مانع كل غنيمة وفضل، وكاشف عظيمة وأزل، والصلاة والسلام على خير خلقه محمد وآله الاطهار.

وبعد:
السَّائم في اللغة المال الراعي([1])  من إبلٍ وغنم ونحوها. وأسامها أرعاها سَوْمَها([2]). وأَسَمْتُها إذا أخرجتها إلى الراعي([3]). والمُسِيْم الراعي الذي يقوم بإسامة الدواب ورعيها ([4]). وقد جاءت مفردة (سَائم) و (مِسُيْم) مرة واحدة لكلٍ منهما في نهج البلاغة([5])، للدلالة على الذي يقوم برعي الدواب عند سومها. إذ استعمل الإمام (عليه السلام) مفردة (سَائِم) بصيغة (فَاعِل) بالدلالة المتقدمة، وذلك في سياق الوعظ والارشاد؛ إذ يقول: ((أَيُّهَا الغَافِلُونَ غَيْرُ الْمَغْفُولِ عَنْهُمْ، وَالتَّارِكُونَ الْمَأْخُوذُ مِنْهُمْ، مَالي أَرَاكُمْ عَنِ اللهِ ذَاهِبِينَ، وَإِلَى غَيْرِهِ رَاغِبِينَ! كَأَنَّكُمْ نَعَمٌ أَرَاحَ بِهَا سَائِمٌ  إلَى مَرْعىً وبيّءٍ...))([6]). شبه (عليه السلام) حال تيه الناس، وانشغالهم بدنياهم عن دينهم، وانصرافهم عن الله تبارك وتعالى إلى زعماء دنياهم وأُمرائهم، بالنعم من الدواب، وهي الإبل والماشية التي ذهب بها راعيها إلى مرعى رديء يجلب لها الوباء، ولا ينفعها بشيء. فاستعمل لفظة (سائمِ) كناية عن الشيطان الذي يزين المنكر للناس، ويسيمهم إلى التيه والغواية. كما يرسل السَّائم الإبل إلى المرعى لترعى. ويمكن أنْ تتسع هذه المفردة لتكون دالة على كل مضلٍّ يزين للناس سوء أعمالهم وأفعالهم. أما وجه الشبه بين هؤلاء الناس والنعم التي أراح بها سائمها، فهو غفلتهم وسيطرة النفس الامارة بالسوء عليهم([7]). وقد جعل الشارح البحراني هذهِ (النَّفس الأمّارة بالسوء) المصداق لمفردة (سَائِم). كأنها هي التي ترعى هذه الفئة من الناس، وتقودهم إلى المعاصي والآثام في الحياة الدنيا، والنيل من لذاتها ومشتهياتها، جاعلاً هذهِ اللذات بمنزلة المرعى الوبيء([8]).

لقد استعمل الإمام مفردة (سَائِم) دالة على (الرَّاعي) الذي يَسْرحِ بنعمه في هذا السياق في حين أنّ اللغويين يرون أنّ هذهِ اللفظة لا تستعمل في الدلالة المتقدمة؛ إذ لا يقال للراعي (سَائِم)، وإنما يقال له: (مُسِيْم)([9]). غير أنّ الناظر في توظيف هذه المفردة عند الإمام يجدها تستعمل في الدلالة على (الراعي) الذي يرعى الإبل وغيرها من الدواب، مثلما يجدها تدل على (الإبل) التي ترسل إلى الرعي ولا تعلف. وذلك في قوله (عليه السلام) متحدثاً عن فناء الدنيا وابتداعها من الله تبارك وتعالى وعدم قدرة الخلق على ابتداع بعوضة إذ يقول: ((وَلَيْسَ فَنَاءُ([10]) الدُّنْيَا بَعْدَ ابْتِدَاعِهَا([11]) بِأَعْجَبَ مِنْ أنْشَائِهَا وَاخْتِرَاعِهَا، وَكَيفَ وَلَوْ اجْتَمَعَ جَمِيعُ حَيَوانِهَا مِنْ طَيْرِهَا وَبَهَائِمِهَا، ومَا كَانَ مِنْ مُرَاحِهَا وَسَائِمِهَا، وَأَصْنَافِ أَسْنَاخِهَا([12])...عَلَى إِحْدَاثِ بَعُوضَة، مَا قَدَرَتْ عَلَى إِحْدَاثِهَا...))([13]). يريد (عليه السلام) أنّ قدرة الله تبارك وتعالى على الخلق والافناء، عجيبة، وهي ليست بأعجب من انشاء الدنيا واخترعها. وأنه لو اجتمعت جميع أحيائها من الطير والهائم المراح الموجود في مواطن إراحتها ومناخها، وما كان منها في مرعاه، فضلاً عن بقية أضاف الخلق، على أن يبتدعوا بعوضة ما استطاعوا إحداثها. ولهذا أراد (عليه السلام)، عمّا تبكيت الخلق وبيان عجزهم عن القدرة على الخلق والابتداع، فكنّى بمفردات (مُرَاحها) و (سَائِمها) عما حل من النعم وأُريح، وما كان سروحاً منها. أمّا مفردة (سَائمها) - هنها - فتشير إلى الراعي الشارح من الدواب، وليس المراد (راعيها) الذي يقوم بإسامتها ورعيها فكأن هذه الصيغة تدل على معنيين؛ الأول النَّعم السائمة الراعية بنفسها في المرعى، والثاني هو الدلالة على الراعي الذي يقودها ويراعيها في مرعاها. وهذا الأمر يضيف على هذهِ المفردة الدلالة على (التّضاد) من حيث دلالتها على المعنى وضده. وهو ما لم يلتفت اليه اللغويون، ولا سيما في كلام الإمام (عليه السلام) الذي انفرد باستعمال اللفظة المتقدمة دالة على الراعي الذي يرعى الدواب والنعم.

أما لفظة (مُسِيْم)؛ فقد وردت في قوله (عليه السلام) الذي يتحدث فيه عن أهل الدنيا في مقام ذمهم؛ إذ يقول في وصفهم لولده الإمام الحسن (عليه السلام): ((فَإِنَّمَا أَهْلُهَا كِلاَبٌ عَاويَةٌ([14])، وَسِبَاعٌ ضَارِيَةٌ ([15])، يَهِرُّ([16])  بَعْضُهَا بَعْضاً... سُرُوحُ عَاهَة  بِوَاد وَعْث، لَيْسَ لَهَا رَاع يُقيِمُهَا، وَلاَ مُسِيمٌ يُسِيمُهَا، سَلَكَتْ بِهِمُ الدُّنْيَا طَرِيقَ الْعَمَى...))([17]). والنص في ذم أصحاب الدنيا الذين يصفهم الإمام بـ(الكلاب العاوية) و (السِّباع الضّارية). إشارة إلى شدة افتراسهم وضراوتهم، إذ ينبح بعضهم على بعض. وقد أراد الإمام من هذهِ الأوصاف المتقدمة الدلالة على قهر الناس بعضهم بعضاً وأخذ القوي للضعيف. ثم وصفهم - بعد ذلك - بالنعّم السّروح التي تسرح في الآفات في واد وعث، لا يمكن السير فيه. علاوة على افتقارها الراعي الذي يقيمها ويراقبها والميسم الذي يتولى اسامتها، ولا مسيمٍ يسيمها. وقد أخذ الإمام مفردتي (راعٍ) و (مُسِيم)، وهما بحسب الدلالة العامة - إحداهما تفسر الأخرى، فالمُسِيم هو الراعي كما تذكر كتب اللغة ([18]). بيد أنّ استعمل الإمام استعمل مفردة (راعٍ) ووصفه عمله بـ(إقَامة النَّعَم)، في حين أن لفظة (مُسيْم). بحسب استعماله توحي بالدلالة على تسريح الدواب وسوقها إلى المرعى. كأنه يستعرض هذهِ الإبل حينما يسترح بها ويسوقها إلى مرعاها سراعاً. فهي صارة مسرعة. ولهذا قيل: سامَت النَّاقَة تَسوم سَوْماً، إذا أسرعت المرّ مع قصد الصوب في سير([19]). كأن (المُسِيْم) هو الذي يمر بالإبل والدواب ويخرجها إلى مرعاها. وذلك إذا جعلها تذهب على وجهها حيث تشاء ([20])، في حين أن (الرَّاعي) هو الذي يرعى الماشية ويحوطها ويحفظها. فالراعي هو الحافظ([21]). وتختص هذه المفردة - بحسب ما يفهم من المعاجم - بالغنم والشاء، في حين أن (المُسِيْم) هو راعي الإبل فحسب؛ فلا يقال لراعي الماشية أنه (مُسِيم). ولهذا قيل في المعجم أن الرعية هي الماشية المرعية([22]). ومن هذا الفارق نفهم أنّ استعمال مفردة (راع) يراد منه الدلالة على حفظ النعم واحاطتها، مشير بذلك إلى أنّ بعض الناس من أهل الدنيا هم أشبه بالماشية المرعية التي تحتاج إلى راعٍ يقيمها ويحفظها عند سروحها؛ لأنها لا تقوم بنفسها، في حين أن الصنف الآخر منهم هم أشبه بالإبل السَّرُوح التي تخرج على وجهها ترعى، فتذهب حيث شاءت بلا مُسِيم يقودها ويوجّهها.)([23]).

الهوامش:
([1]) ينظر:لسان العرب (سوم):12/311.
([2]) نفسه. 
([3]) نفسه.
([4]) ينظر: العين (سوم): 7/320، وجمهرة اللغة (سوم): 2/862، والفائق: 2/207.
([5]) ينظر: المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة: 230.
([6]) نهج البلاغة: خ / 175: 314.
([7]) ينظر: شرح نهج البلاغة (البحراني): 3/688.
([8]) نفسه.
([9]) ينظر: جمهرة اللغة (سوم): 2/862، والفائق: 2/207.
([10]) الفناء نقيض البقاء. ينظر: لسان العرب (فني): 15/164.
([11]) ابتِدَاعها انشائها. ينظر: لسان العرب (بدع): 8/6.
([12]) السّنخ الأصل من كل شيء. ينظر: لسان العرب (سنخ): 3/26.
([13]) نهج البلاغة: خ/186: 346.
([14]) العُواء صوت الذئب والكلب، وهو غير النُّبَاح. ينظر: لسان العرب (عوي): 15/107.
([15]) الضِاري هو من أولاد الكلاب السّلوقية التي تصيد. ينظر: العين (ضرو): 7/56.
([16]) هَرَّ الكَلْبُ يَهِرّ، إذا صَوّت، وهو صَوْته الذي دون النّباحِ من قِلة صَبْرهِ على البَرْدِ. ينظر: لسان العرب (هرر): 5/260.
([17]) نهج البلاغة: ك/31: 506.
([18]) ينظر: العين (سوم): 7/320، وجمهرة اللغة (سوم): 2/862، والفائق: 2/207.
([19]) ينظر: لسان العرب (سوم): 12/311.
([20]) نفسه.
([21]) ينظر: لسان العرب (رعي): 14/325.
([22]) نفسه.
([23])لمزيد من الاطلاع ينظر: ألفاظ الحياة الاجتماعية في نهج البلاغة: للدكتور حسام عدنان رحيم الياسري، ط: العتبة الحسينية المقدسة، مؤسسة علوم نهج البلاغة: ص 162-166.

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.4074 Seconds