(يَا جَابِرُ قِوَامُ الدِّينِ والدُّنْيَا بِأَرْبَعَةٍ، عَالِمٍ مُسْتَعْمِلٍ عِلْمَه، وجَاهِلٍ لَا يَسْتَنْكِفُ أَنْ يَتَعَلَّمَ، وجَوَادٍ لَا يَبْخَلُ بِمَعْرُوفِه، وفَقِيرٍ لَا يَبِيعُ آخِرَتَه بِدُنْيَاه. فَإِذَا ضَيَّعَ الْعَالِمُ عِلْمَه، اسْتَنْكَفَ الْجَاهِلُ أَنْ يَتَعَلَّمَ، وإِذَا بَخِلَ الْغَنِيُّ بِمَعْرُوفِه، بَاعَ الْفَقِيرُ آخِرَتَه بِدُنْيَاه. يَا جَابِرُ، مَنْ كَثُرَتْ نِعَمُ اللَّه عَلَيْه، كَثُرَتْ حَوَائِجُ النَّاسِ إِلَيْه، فَمَنْ قَامَ لِلَّه فِيهَا بِمَا يَجِبُ فِيهَا عَرَّضَهَا لِلدَّوَامِ والْبَقَاءِ ومَنْ لَمْ يَقُمْ فِيهَا بِمَا يَجِبُ عَرَّضَهَا لِلزَّوَالِ والْفَنَاءِ)(([1]))
بقلم: محمد صادق السيد محمد رضا الخرسان
((الحمد لله وإن أتى الدّهرُ بالخطب الفادحِ، والحدثِ الجليلِ، وأشهدُ أن لا إله إلّا الله ليس معه إله غيرهُ وأن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وآله))
أما بعد:
ضمان الإنسان الاستقامة أمور دينه وديناه
الدعوة إلى ضمان الإنسان لاستقامة أمور دينه ودنياه، بأنْ يسعى في تعلّم العلم وتعليمه، وبأنْ يبذل ما يمكنه من مالٍ أو جاهٍ لمَنْ يحتاجه، بحيث لا يبخل عليه بما منحه الله تعالى وأعطاه من خير، يمكنه أنْ ينفع به نفسه وغيره.
أهمية التعلّم في مضمار الحياة
ذلك أنَّه لو لم يبادر إلى التعلم لما عرف الأمور، ولا ميز الصحيح من السقيم، ولا تمكن من تطوير نفسه، ولا الإبداع في عمله، بما يزيده وعياً، ويمكنه من تحقيق طموحاته في الغنى والوجاهة، وغيرها من آماله، التي إنْ تعلم ازداد قدرة على الوصول لما يريد.
إكرام العلم وتجنّب تضييعه وإهماله
كما عليه إكرام العلم، وعدم تضييعه بالإهمال أو مجاملة الآخرين، أو غيرها من تصرّفات سلبيّة وإلّا لكوّن غير المتعلم انطباعاً سيئاً عن العلم فيراه سبباً للضعة والذلة ولا يتشجع للتعلم أصلاً.
بخل الغنيّ سبب في انحراف الفقير!
كما لو بخل الغني، لطالت معاناة الفقير، بما يضطره إلى التنازل عن التزاماته – شرعياً وأخلاقياً – من أجل تحصيله للمال، الذي يحتاجه في معيشته وتأمين لوازمه الحياتية.
ولذا على الإنسان كلما كثرت نعم الله تعالى عليه، أنْ يزداد عونه لمحتاجيه، معنوياً كان كالجاه والعلاقات والنصيحة والتوجيه، أم ماديّاً بإنفاق المال وتسخير إمكاناته لنفع الناس، ممَّنْ تكثر حوائجهم إلى الذي كثرت نعم الله تعالى عليه.
سبب دوام النِّعم الإلهيّة وسبب زوالها
فإنَّ أداء حقوق هذه النعم الإلهية وضمان لدوامها وبقائها، وإلا لتسبب الإنسان نفسه بفنائها وزوالها؛ حيث لم يحسن التعامل معها بما يليق بها من احترام وتقدير لها، وشكر عملي لمنعمها، ثم لا تعود؛ قال أمير المؤمنين عليه السلام: (احْذَرُوا نِفَارَ النِّعَمِ؛ فَمَا كُلُّ شَارِدٍ بِمَرْدُودٍ)([2]).
الاهتمام بالتعليم والحد من تفشي الجهل وتبعاته
وتأتي هذه الحكمة المباركة في سياق تنمية المواهب العلميّة، والاهتمام بالتعليم، للحدّ من تفشّي الجهل ومخلفاته في المجتمع من حصول ضمورٍ فكريٍّ ونقصٍ في الخبرات فينخفض مؤشر الإبداع، ويرتفع مؤشر العنف.
الإرهاب نتيجة الجهل
وهو ما يعيق حركة التطور بتنشيط مظاهر التخلّف، وإنتاج نسخ من الإرهاب بمستوياته كافّة، تهدّد أمن المجتمع، وتقلل جدّاً من فرص إصلاحه.
تنمية الفرد والمجتمع بالعلم والاقتصاد
ذلك لما للعلم والاقتصاد من أدوار كبيرة في تحقيق التنمية للفرد والمجتمع، والقضاء على معاناة الناس من الفقر والمرض، وتزايد الشعور بالإخفاق في تحقيق الأهداف فيحاول بعضهم تعويض ذلك بارتكاب الممنوعات فتتصاعد أعداد الجرائم، وحالات الانحلال.
توظيف العلم والمال لقضاء حوائج الناس
ومن أجل علاج هذه الأخطاء وسواها، كان الحثّ على توظيف العلم والمال لإنجاز ما يمكن من حوائج الناس، والمشاركة في زيادة الوعي والسعادة؛ لأنَّ الله تعالى يجزي على ذلك بأفضل الجزاء، قال أمير المؤمنين عليه السلام: (مَا مِنْ أَحَدٍ أَوْدَعَ قَلْباً سُرُوراً إِلَّا وخَلَقَ اللَّه لَه مِنْ ذَلِكَ السُّرُورِ لُطْفاً فَإِذَا نَزَلَتْ بِه نَائِبَةٌ جَرَى إِلَيْهَا كَالْمَاءِ فِي انْحِدَارِه - حَتَّى يَطْرُدَهَا عَنْه)([3]).
وبهذا تتسع مساحة الدعم والتعاون في المجتمع، وينتفع الجميع بآثار ذلك)([4]).
الهوامش:
([1]) نهج البلاغة، الشريف الرضي 541، رقم 372.
([2]) نهج البلاغة، الشريف الرضي 511، رقم 246.
([3]) نهج البلاغة، الشريف الرضي 513، رقم 257.
([4]) لمزيد من الاطلاع ينظر: أخلاق الإمام علي عليه السلام: محمد صادق السيد محمد رضا الخرسان، ج2، ط11، ص 336-338.